لندن — في أعقاب تحول زلزالي في المشهد السياسي في المملكة المتحدة، بدأ المراقبون الدوليون والمحللون المحليون في استيعاب الحجم الحقيقي للفوز الساحق الذي حققه حزب العمال. وفي تقرير لصحيفة «هآرتس»، وُصفت هذه الانتخابات بأنها «واحدة من أهم اللحظات التي تواجه السياسة البريطانية منذ عام 1945»، حيث لا يُنظر إلى انتخاب حكومة السير كير ستارمر مجرد تغيير في الإدارة، بل كعملية إعادة ضبط جوهرية لهوية الدولة البريطانية، محلياً وعلى الساحة العالمية. ومع ذلك، تكمن تحت سطح هذه الأغلبية البرلمانية الكاسحة واقع معقد من التفتت الانتخابي ومطالب شعبية بإعادة الإعمار قد يكون من الصعب تلبيتها.
إعادة ضبط عالمية ونهاية التقلبات الشعبوية
بالنسبة للمراقبين الدوليين، لا سيما في الشرق الأوسط وأوروبا، تمثل هذه الانتخابات خروجاً عن حالة عدم اليقين التي سادت حقبة ما بعد «بريكست». وأشارت «هآرتس» إلى أن انتصار حزب العمال يمنح فرصة لإعادة ضبط دور بريطانيا في الدبلوماسية العالمية. فبعد سنوات مما اعتبره الكثيرون تقلبات شعبوية في ظل رؤساء وزراء محافظين متعاقبين، يوحي وصول حكومة عمالية تكنوقراطية ووسطية بالعودة إلى الأممية البراغماتية.
وتعد التداعيات على العلاقات في الشرق الأوسط عميقة بشكل خاص؛ فمن المتوقع أن يتبنى ستارمر توازناً دقيقاً: الحفاظ على التزام قوي بأمن إسرائيل مع اتخاذ موقف أكثر حزماً بشأن القانون الدولي وضرورة حل الدولتين. ويُنظر إلى هذا التحول كخطوة لاستعادة دور بريطانيا التقليدي كقوة دبلوماسية مستقرة، والابتعاد عن مواقف السياسة الخارجية الانفعالية التي ميزت العقد الماضي. ومن خلال مقارنة هذه اللحظة بإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945، يسلط المحللون الضوء على قدرة حزب العمال على إعادة تعريف البصمة الأخلاقية والاستراتيجية للمملكة المتحدة في عالم متعدد الأقطاب.
التفويض المحلي: نداء لإعادة الإعمار
بينما يراقب المجتمع الدولي دور بريطانيا الخارجي، يركز الشعور الداخلي — كما نقلت صحيفة «الغارديان» — على الخراب الداخلي الذي خلفه 14 عاماً من التدهور الاجتماعي والاقتصادي. وقد وُصف قرار الناخبين بأنه «تفويض جيلي»، وصرخة يأس من جمهور سئم ركود الأجور، وتداعي البنية التحتية، ووصول هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) إلى حافة الانهيار.
بنى حزب العمال حملته على وعد بـ «التغيير»، لكن حجم المهمة القادمة هائل؛ إذ ترث الحكومة الجديدة أمة يشعر مواطنوها بأن العقد الاجتماعي فيها محطم تماماً. وبالنسبة للعديد من الناخبين، لم يكن الخيار مجرد تفضيل لسياسات العمال، بل رفضاً لإرث المحافظين الذي اتسم بالتقشف والنزاعات الحزبية الداخلية. ولتحقيق هذا التفويض، سيتعين على ستارمر الانتقال من الخطابات إلى إحداث تحسينات ملموسة في الخدمات العامة، حيث تُعتبر إعادة بناء هيئة الخدمات الصحية الوطنية، على وجه الخصوص، المعيار الأساسي لنجاح هذه الحقبة الجديدة.
أغلبية ساحقة هشة: تصدع في النظام
ومع ذلك، فإن الحجم الهائل لأغلبية حزب العمال البرلمانية — وهي واحدة من الأكبر في التاريخ البريطاني — يخفي وراءه حقيقة أساسية أكثر هشاشة. ويشير تحليل صحيفة «إيكونوميست» إلى «فوز ساحق هشة»، مسلطاً الضوء على مفارقة في نتائج عام 2024؛ فرغم الفوز بعدد هائل من المقاعد، ظلت حصة الأصوات الفعلية للحزبين الرئيسيين منخفضة تاريخياً. وهذا يشير إلى أن نظام الانتخاب البريطاني قد أفرز نتيجة لا تعكس بشكل كامل الانقسامات العميقة داخل الناخبين.
إن صعود الحركات الهامشية، وأبرزها حزب «إصلاح المملكة المتحدة» (Reform UK)، يشير إلى تصدع جوهري في السياسة البريطانية. فحزب نايجل فاراج، إلى جانب ارتفاع الدعم لحزب الخضر والمرشحين المستقلين، يشير إلى أن قطاعاً كبيراً من السكان يشعر بعدم التمثيل من قبل المؤسسة السياسية التقليدية. هذا «التفويض المجزأ» يعني أنه بينما يمسك كير ستارمر بزمام السلطة، فإنه يحكم بلداً أكثر تنوعاً سياسياً — وربما أكثر تقلبًا — مما توحي به الأرقام المعلنة.
الخلاصة: حقبة جديدة أم هدنة مؤقتة؟
بينما يهدأ الغبار عن هذه الانتخابات التاريخية، تظل المقارنة بعام 1945 ملائمة، ولكن مع تحفظ هام؛ ففي عام 1945، بنى كليمنت أتلي دولة الرفاه الحديثة على أساس من التوافق العريض، أما في عام 2024، فيتعين على كير ستارمر محاولة تحقيق إنجاز مماثل في إعادة الإعمار الوطني في عصر يتسم باستقطاب غير مسبوق وتقلبات انتخابية حادة.
إن تحول هذه اللحظة إلى نقطة فارقة حقيقية في التاريخ البريطاني سيعتمد على قدرة الحكومة على تحويل قوتها البرلمانية إلى استقرار اجتماعي. يترقب المجتمع الدولي شريكاً أكثر موثوقية، وينتظر الجمهور البريطاني العودة إلى الحوكمة الفعالة. ومع ذلك، في ظل ناخبين منقسمين وتفويض هش، يبقى الطريق أمام الحكومة محفوفاً بالتحديات.