بيروت — تحطم الصمت الهش الذي خيم لفترة وجيزة على العاصمة اللبنانية في وقت متأخر من يوم الاثنين، حيث شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة من الغارات المستهدفة على الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد ألقى القصف المتجدد بظلاله القاتمة على وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية وفرنسية، مما أثار تساؤلات ملحة حول قدرة الاتفاق على الصمود في أسبوعه الأول من التنفيذ. ومع تصاعد أعمدة الدخان فوق منطقة الضاحية، راقب المجتمع الدولي الموقف بقلق متزايد، وسط مخاوف من أن تتحول “دوامة الانتهاكات” التي تجتاح المنطقة الحدودية حالياً إلى مواجهة إقليمية شاملة.
إنفاذ للالتزامات أم تصعيد؟ الموقف الإسرائيلي
وفقاً لتقارير أوردتها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، وصف جيش الدفاع الإسرائيلي هذه العمليات الأخيرة بأنها “إجراءات إنفاذ” ضرورية. ويؤكد المسؤولون العسكريون أن الغارات لم تكن أعمالاً عدوانية غير مبررة، بل كانت ردوداً دقيقة على محاولات حزب الله إعادة بناء بنيته التحتية العسكرية في مناطق محظورة صراحة بموجب شروط الهدنة. وقد أبدت الحكومة الإسرائيلية صراحة سياستها القائمة على “الإنفاذ النشط”، مؤكدة أنها لن تنتظر اللجان الدبلوماسية للتحرك إذا رأت تهديداً فورياً لأمنها الشمالي.
وتواجه إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطاً محلية كبيرة لضمان عدم تحول وقف إطلاق النار إلى فترة لإعادة تنظيم صفوف حزب الله. وبناءً عليه، تم تفويض الجيش الإسرائيلي بضرب أي تحرك أو جهود إعادة بناء تعتبر انتهاكاً للفترة الانتقالية البالغة 60 يوماً. وبالنسبة للجيش الإسرائيلي، تظل الضاحية الجنوبية لبيروت — التي لطالما اعتُبرت معقلاً لحزب الله — بؤرة تركيز للمراقبة؛ حيث يجادلون بأن تحييد التهديدات الناشئة الآن يمنع خرقاً أكبر للاتفاق في المستقبل. ومع ذلك، فإن استراتيجية “الإنفاذ الاستباقي” هذه هي بالضبط ما كان الوسطاء يأملون تجنبه، لأنها تطمس الخط الفاصل بين الدفاع واستئناف الأعمال العدائية.
السيادة والكلفة الإنسانية: الرد اللبناني
على الجانب الآخر من الحدود، ساد شعور بالغضب والخيانة؛ حيث أفادت وسائل الإعلام الرسمية اللبنانية وقناة “الجزيرة” أن الغارات استهدفت أحياءً سكنية، مما تسبب في حالة من الذعر واسع النطاق بين السكان الذين بدأوا للتو في العودة التدريجية إلى أنقاض منازلهم. وقد ندد المسؤولون اللبنانيون بالقصف واصفين إياه بأنه “خرق صارخ” للسيادة التي كان من المفترض أن يستعيدها وقف إطلاق النار، معتبرين أن إسرائيل تستخدم ذريعة الإنفاذ لمواصلة حملة الترهيب ضد المدنيين اللبنانيين.
ويبدو الأثر الإنساني حاداً بشكل خاص، فقد استغلت عشرات الآلاف من العائلات النازحة الأيام الأولى لوقف إطلاق النار للعودة إلى الضاحية والجنوب لتقييم الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم، إلا أن الاستئناف المفاجئ للغارات أوقف هذه العودة، مخلفاً العديد من الأسر في حالة نزوح دائم. وأفادت مصادر طبية محلية أن الأثر النفسي على الأطفال وكبار السن، الذين اعتقدوا أن الحرب قد انتهت، كان مدمراً. ويرى منتقدون أنه من خلال ضرب ضواحي العاصمة، فإن إسرائيل تحتجز استقرار البلاد بأكملها رهينة لمطالبها الأمنية، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية.
دبلوماسية فوق حبال مشدودة: الاتفاق الأمريكي الفرنسي في خطر
تتعرض البنية الدبلوماسية التي تدعم الهدنة حالياً لضغوط هائلة. وتشير تقارير من وكالتي “رويترز” و”أسوشيتد برس” إلى أن لجنة المراقبة الدولية، برئاسة الولايات المتحدة وعضوية فرنسا، تكافح للتوسط في ظل الاحتكاك المتزايد. وكان الهدف من اللجنة أن تكون حكماً في النزاعات، لكن وتيرة الأحداث على الأرض تتجاوز سرعة المداولات الدبلوماسية. وأشار دبلوماسيون مقربون من المحادثات إلى أن آلية الإبلاغ عن الانتهاكات والتحقق منها مثقلة حالياً بالعدد الهائل من الادعاءات من كلا الجانبين.
من جهتها، جددت وزارة الخارجية الأمريكية دعوتها لضبط النفس، مؤكدة أن النافذة الزمنية البالغة 60 يوماً تهدف للسماح للقوات المسلحة اللبنانية بالانتشار في الجنوب ولحزب الله بسحب أسلحته الثقيلة. ومع ذلك، فإن الافتقار إلى تعريف واضح لما يشكل “تهديداً وشيكاً” يفتح الباب أمام مجموعة واسعة من التفسيرات. وبينما تظل واشنطن ملتزمة بالاتفاق، هناك اعتراف متزايد بأنه بدون إنفاذ أكثر صرامة لشروط وقف إطلاق النار من قبل هيئة المراقبة نفسها، قد يصبح الاتفاق مجرد ورقة لا قيمة لها.
فشل وشيك للجنة المراقبة
تكمن جوهر الأزمة في “حلقة الانتهاكات”؛ فكما أشار محللون إقليميون، تُعتبر كل ضربة إسرائيلية في نظر حزب الله مبرراً للحفاظ على وجوده من أجل “الدفاع”، بينما يُنظر إلى كل تحرك لحزب الله من قبل إسرائيل كمبرر لمزيد من الغارات. وتُهدد هذه الحلقة الارتدادية بانهيار وقف إطلاق النار تماماً قبل أن يتمكن الجيش اللبناني من السيطرة الكاملة على المناطق العازلة. كما تجد لجنة المراقبة الدولية صعوبة في الوصول اللازم إلى مواقع الضربات لتقديم تحقق مستقل، مما يزيد من غموض المشهد الدبلوماسي.
وإذا لم تتمكن اللجنة من ترسيخ سلطتها كحكم وحيد في الانتهاكات، فمن المرجح أن يتحول وقف إطلاق النار إلى حرب استنزاف. وتُعتبر الساعات الـ 48 القادمة حاسمة؛ فإذا استمرت الغارات في بيروت، قد يجد لبنان من المستحيل سياسياً الاستمرار في المشاركة في إطار الهدنة. وفي الوقت الحالي، تظل شوارع بيروت متوترة، حيث يعمل صوت الطائرات المسيرة في الأجواء كذكرى دائمة بأنه رغم توقيع وقف إطلاق النار، إلا أن السلام لا يزال احتمالاً بعيداً يتلاشى تدريجياً. وينتظر العالم الآن ليرى ما إذا كانت الدبلوماسية ستلحق بالواقع الميداني، أم أن المنطقة مقدر لها جولة أخرى من التصعيد المدمر.