غارات إسرائيلية على ضاحية بيروت تؤجج التوترات وتختبر هشاشة وقف إطلاق النار الجديد
بيروت — شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الثلاثاء، مما أدى إلى تصاعد سحب الدخان في سماء العاصمة وألقى بظلال كثيفة على اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يمضِ على دخوله حيز التنفيذ سوى أسبوع واحد. وقد أثار القصف، الذي وصفه السكان بأنه من بين الأعنف منذ بدء الهدنة، سجالاً دبلوماسياً حاداً وتساؤلات ملحة حول مدى صمود الجهود الدولية الرامية لإنهاء الصراع بين إسرائيل وحزب الله.
التفويض الإسرائيلي: إجراءات إنفاذ أم تصعيد؟
كان جيش الدفاع الإسرائيلي حازماً في تبريره للنشاط العسكري المتجدد. ووفقاً لتقارير نشرتها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، يؤكد المسؤولون العسكريون أن الغارات لا تمثل انتهاكاً لوقف إطلاق النار، بل هي “إجراءات إنفاذ” مصممة لمنع حزب الله من إعادة تموضعه. وقد أكدت الحكومة الإسرائيلية مراراً حقها في التحرك ضد ما تعتبره “تهديدات وشيكة”، لا سيما نقل الأسلحة أو إعادة بناء البنية التحتية تحت الأرض في منطقة الضاحية.
وأشارت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى أنها لن تتسامح مع العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب. وبالنسبة للجيش الإسرائيلي، يُنظر إلى فترة الهدنة البالغة 60 يوماً من منظور المراقبة النشطة. وصرح متحدث باسم الجيش الإسرائيلي في وقت سابق اليوم قائلاً: “نحن في مرحلة الإنفاذ. تفويضنا هو ضمان الوفاء بشروط الاتفاق، وهذا يعني أنه لا يمكن لحزب الله استخدام هذا الهدوء لإعادة التسلح أو إعادة تموضع بطاريات صواريخه. لن ننتظر حتى يتبلور التهديد قبل اتخاذ أي إجراء”.
وقد قوبل هذا الموقف الاستباقي بدعم داخلي في إسرائيل، حيث لا يزال السكان النازحون من المجتمعات الحدودية الشمالية متشككين في قدرة وقف إطلاق النار على توفير أمن طويل الأمد. ومع ذلك، لا تزال هذه العقيدة الوقائية هي نقطة الاحتكاك الرئيسية مع المراقبين الدوليين الذين يجادلون بأن الضربات الأحادية تتجاوز الاتفاق الذي صُمم أساساً لمنعها.
الاحتجاج اللبناني: السيادة والكلفة الإنسانية
وفي بيروت، تبدو الرؤية مغايرة تماماً؛ حيث صنف رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي ومسؤولون رفيعو المستوى الضربات على أنها “خرق صارخ” لشروط وقف إطلاق النار. وفي حديث لوسائل إعلام إقليمية، بما في ذلك قناة “الجزيرة”، جادلت مصادر أمنية لبنانية بأن الغارات تستهدف مناطق مدنية وتقوض ثقة العائلات النازحة التي بدأت رحلة العودة الشاقة إلى ديارها.
وكان للأثر الإنساني للغارات المتجددة وقع فوري ومباشر؛ فآلاف المواطنين اللبنانيين، الذين فروا من حملات القصف المكثف في الأشهر الماضية، استغلوا الأيام الأولى لوقف إطلاق النار لتفقد ممتلكاتهم والبدء في إزالة الأنقاض. وقد أدى الاستئناف المفاجئ للغارات الجوية إلى موجات جديدة من الذعر. وقال أحد سكان الضاحية الجنوبية، الذي اضطر للنزوح للمرة الثالثة هذا العام: “كان من المفترض أن يكون وقف إطلاق النار جسراً نحو الاستقرار، لكن هذه الغارات أحرقت ذلك الجسر”.
ويجادل منتقدون داخل الحكومة اللبنانية بأن إسرائيل، من خلال تعريفها الأحادي لما يشكل “تهديداً وشيكاً”، تحافظ فعلياً على حالة حرب غير معلنة. ويرون أن القصف هو تكتيك نفسي يهدف إلى منع تطبيع الحياة في المناطق المحسوبة على حزب الله، مما يعقد التنفيذ السياسي للهدنة.
منطقة رمادية خطيرة: آلية الرقابة
يسابق الوسطاء الدوليون، بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا، الزمن حالياً لاستقرار الوضع. وتشير مصادر نقلت عنها وكالة “رويترز” إلى أن نقطة الفشل الأساسية تكمن في غياب لجنة مراقبة تعمل بكامل طاقتها. وبينما نص اتفاق وقف إطلاق النار على تشكيل هيئة مراقبة خماسية، فإن العقبات اللوجستية والسياسية التي تحول دون تفعيل تلك اللجنة على الأرض أوجدت ما يسميه الدبلوماسيون “منطقة رمادية خطيرة”.
وفي هذا الفراغ، عاد كلا الجانبين إلى تفسيراتهما الخاصة لقواعد الاشتباك؛ فبالنسبة لإسرائيل، أي تحرك لأفراد أو معدات حزب الله يعد خرقاً، وبالنسبة للبنان، فإن أي تحليق إسرائيلي في أجوائه أو نشاط للطائرات المسيرة يعد انتهاكاً. ومع غياب طرف ثالث محايد للبت في هذه الادعاءات، تتجه التصعيدات المتبادلة نحو نقطة الانهيار. وأفادت تقارير بأن المبعوث الأمريكي آموس هوكشتاين ودبلوماسيين فرنسيين يجرون مفاوضات مكثفة عبر القنوات الخلفية لتسريع نشر آلية المراقبة قبل أن ينهار وقف إطلاق النار تماماً.
ويحذر الدبلوماسيون من أن غياب الرقابة ليس مجرد تأخير بيروقراطي بل هو خطر استراتيجي. وعلق مصدر دبلوماسي رفيع قائلاً: “عندما لا يوجد حكم، يضع الجميع قواعدهم الخاصة”. وتكمن المخاوف في أن أي خطأ واحد في الحسابات — سواء كان ضربة تؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوف المدنيين أو مقتل شخصية رفيعة — قد يؤدي إلى دائرة انتقامية لا يمكن لأي من الطرفين الخروج منها بسهولة، بغض النظر عن التزامهما المعلن بالهدنة.
التداعيات الاستراتيجية ومخاطر الحرب الشاملة
لا تقتصر التقلبات الحالية على الصعيد المحلي فحسب، بل تحمل مخاطر إقليمية جسيمة. فإذا فشل وقف إطلاق النار، يظل احتمال حدوث اجتياح بري واسع النطاق أو صراع إقليمي أوسع يشمل الميليشيات المدعومة من إيران تهديداً قائماً. كما أن الرهانات السياسية عالية لجميع الأطراف المعنية؛ فبالنسبة لإدارة بايدن، يعد وقف إطلاق النار في لبنان حجر الزاوية في دبلوماسيتها في الشرق الأوسط في أواخر فترتها الرئاسية. وبالنسبة للحكومة اللبنانية، تعد الهدنة شرطاً أساسياً لأي شكل من أشكال التعافي الاقتصادي. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الهدف هو العودة الآمنة للسكان النازحين إلى الشمال، وهو هدف يظل بعيد المنال طالما بقيت الحدود نقطة اشتعال.
ومع غروب الشمس فوق الضاحية، يترقب المجتمع الدولي الأوضاع بحذر شديد. لقد كان من المفترض أن تكون فترة الـ 60 يوماً فرصة لخفض التصعيد وإعادة البناء، لكنها تحولت إلى فترة من عدم اليقين العميق. وإن قدرة وقف إطلاق النار على الصمود أمام هذا الاختبار الأخير لا تعتمد على تصريحات المتناحرين بقدر ما تعتمد على السرعة التي يمكن بها للمراقبين الدوليين ترسيخ وجود مادي على الأرض. وحتى ذلك الحين، تظل الهدنة “المهتزة” سلاماً هشاً، عرضة لكل ضربة صاروخية وكل سوء فهم استراتيجي.