طهران/واشنطن — في تحول دبلوماسي لافت أثار أصداء واسعة في أسواق الطاقة العالمية ودوائر القرار السياسي، أفادت تقارير بأن إيران اقترحت اتفاقاً يهدف إلى تخفيف حدة التوتر في مضيق هرمز. وبحسب تقرير حديث لصحيفة “وول ستريت جورنال”، أبدى المسؤولون الإيرانيون إشارات تدل على استعدادهم لرفع ما وُصف بـ “الحصار الخفي” وتقليل الاستفزازات البحرية في هذا الممر المائي الحيوي. وفي المقابل، تسعى طهران للتوصل إلى ترتيب دبلوماسي يؤدي فعلياً إلى تأجيل أو تجميد المسار الحالي للمفاوضات النووية، مما يمنح الجمهورية الإسلامية متنفساً اقتصادياً ضرورياً مع تجنب الضغوط الفورية للعقوبات الدولية المتجددة.
تحول استراتيجي في السياسة البحرية لطهران
يعد مضيق هرمز، الممر الضيق الواصل بين الخليج العربي وبحر عمان، أهم نقطة اختناق نفطية في العالم، حيث يمر عبره يومياً نحو خمس إجمالي الاستهلاك العالمي من النفط. لسنوات، استخدمت إيران نفوذها في المضيق كأداة للضغط الجيوسياسي، مهددة مراراً بتعطيل الملاحة رداً على العقوبات الغربية أو التحركات العسكرية. ومع ذلك، تشير التقارير الأخيرة إلى أن تكلفة الحفاظ على هذه البيئة المتوترة قد بدأت تفوق فوائدها بالنسبة للقيادة الإيرانية.
يتضمن الاتفاق المقترح، كما أوضحته مصادر مطلعة، التزاماً رسمياً من جانب إيران بضمان المرور الآمن للسفن التجارية ووقف احتجاز الناقلات التي ترفع أعلاماً أجنبية. في المقابل، تتوقع إيران اعترافاً بالأمر الواقع بوجودها البحري الحالي، وتخفيضاً متبادلاً للوجود البحري للقوى الغربية في المنطقة. والأهم من ذلك، يتضمن الاتفاق بنداً لتأجيل استئناف المحادثات النووية المتعثرة، والتي تعيش حالة من الجمود منذ انهيار إطار الاتفاق النووي (JCPOA).
الارتباط النووي: التأجيل كأداة دبلوماسية
الجانب الأكثر إثارة للجدل في المقترح المسرب هو الربط المباشر بين الأمن البحري والملف النووي. فبالنسبة لإدارة بايدن والموقعين الأوروبيين، لطالما كان البرنامج النووي هو الشاغل الرئيسي. وقد أدى تخصيب إيران لليورانيوم إلى مستويات قريبة من درجة صنع الأسلحة إلى حافة صراع كبير عدة مرات العام الماضي. ومن خلال تقديم مقايضة “هرمز مقابل الوقت”، يبدو أن طهران تراهن على أن القوى الغربية تعطي الأولوية لاستقرار الطاقة الفوري على ضمانات منع الانتشار النووي طويلة الأمد.
ويرى المحللون أن رغبة إيران في تأجيل المحادثات هي خطوة تكتيكية؛ فمع تصاعد الضغوط الاقتصادية المحلية والتهديد باندلاع حرب إقليمية أوسع، تسعى الحكومة الإيرانية لتجنب “العودة التلقائية” للعقوبات الأممية (Snapback) التي قد تحدث إذا أُعلنت المفاوضات النووية فشلاً ذريعاً. ومن خلال تحويل التركيز إلى الأمن البحري – وهو موضوع يمثل مصلحة مشتركة للطرفين في الاستقرار – تشتري طهران لنفسها شهوراً، وربما سنوات، لتثبيت أوضاعها الداخلية مع الحفاظ على وضعها الحالي كدولة على عتبة نووية.
ردود الفعل الجيوسياسية ودور القوى العالمية
قوبل المقترح بمزيج من التفاؤل الحذر والتشكيك العميق من المجتمع الدولي. في واشنطن، يُنظر إلى العرض من منظور الحذر الشديد؛ فبينما يحرص البيت الأبيض على استقرار أسعار النفط، خاصة في عام الانتخابات، يخشى المسؤولون من أي اتفاق يتجاهل تسارع أجهزة الطرد المركزي في “نطنز” و”فوردو”. وصرح مسؤول رفيع في وزارة الخارجية (دون الكشف عن هويته): “إن أي اتفاق يؤمن المضيق ولكنه يسمح ببناء سلاح نووي في الخفاء لا يعد اتفاقاً على الإطلاق”.
وعلى النقيض من ذلك، قد يرى لاعبون إقليميون مثل الإمارات والسعودية، اللتان انخرطتا مؤخراً في جهود خفض التصعيد مع طهران، المقترح كخطوة إيجابية نحو التطبيع الإقليمي، حيث يمثل أمن الممرات الملاحية أولوية وجودية لهذه الدول. وفي الوقت نفسه، مارست الصين والهند، وهما من كبار مستوردي الخام الإيراني والإقليمي، ضغوطاً على طهران لخفض حدة التوتر في الخليج لحماية مصالحهما الاقتصادية.
التداعيات الاقتصادية: أسواق النفط وتأمين الشحن
أثرت مجرد الشائعات حول اتفاق بشأن هرمز على مؤشرات النفط العالمية. فقد شهد خام برنت، الذي كان يُتداول بـ “علاوة حرب” بسبب عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، تراجعاً طفيفاً مع تقييم التجار لإمكانية استقرار الخليج. وبالإضافة إلى سعر البرميل، من المتوقع أن يستفيد قطاع الشحن بشكل كبير، حيث ارتفعت أقساط التأمين على السفن المارة بالخليج العربي بشكل حاد خلال العامين الماضيين، ورفضت بعض الشركات تغطية المرور عبر المضيق تماماً. ومن المرجح أن يؤدي خفض التصعيد الرسمي إلى تقليل هذه التكاليف، مما يسهل التجارة العالمية ويخفض أعباء النقل.
المسار القادم: مخاطر “الصراع المجمد”
في حين يوفر المقترح استراحة مؤقتة، يجادل النقاد بأنه يرسي سابقة خطيرة؛ فمن خلال فصل القضية النووية عن الأمن الإقليمي، قد يمنح المجتمع الدولي إيران وضعاً دائماً كدولة “على العتبة النووية” مقابل سلام مؤقت في البحر. علاوة على ذلك، قد لا يتماشى الحرس الثوري الإيراني، الذي يسيطر على معظم العمليات البحرية، تماماً مع الجناح الدبلوماسي للحكومة، مما يثير مخاوف من تقويض أي اتفاق من قبل الفصائل المتشددة.
وكما تشير “وول ستريت جورنال”، لا تزال المفاوضات في مراحلها الأولى غير الرسمية. وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة مع استمرار الوسطاء من عمان وقطر في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن. وسيبقى انتظار ما إذا كان هذا سيؤدي إلى معاهدة بحرية تاريخية أم سيكون مجرد فصل آخر في حرب الظل الطويلة. وفي الوقت الحالي، يراقب العالم مضيق هرمز بحبس الأنفاس، آملاً في بقاء تدفق النفط – والدبلوماسية – دون انقطاع.