عاجل / BREAKINGأمة الإيقاع: رقصات سياسي «ترند» تبشر بعهد جديد من التفاؤل في المجركير ستارمر يرفض الاستقالة: مقامرة سياسية كبرى ترسم مستقبل حزب العمالاستقالة وزير الدفاع اللاتفي إثر تداعيات الهجمات الأوكرانية بالمسيرات على منشآت نفطيةأوكرانيا وروسيا تتبادلان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار المدعوم أمريكياً - رويترزإجلاء طبي طارئ لمواطن فرنسي من سفينة سياحية وسط مخاوف من تفشي فيروس "هانتا" القاتل

هزيمة استراتيجية في الصحراء: متمردو مالي يكبدون المجلس العسكري والمرتزقة الروس خسائر فادحة

هزيمة استراتيجية في الصحراء: متمردو مالي يكبدون المجلس العسكري والمرتزقة الروس خسائر فادحة

كمين مميت بالقرب من الحدود الجزائرية يمثل المواجهة الأكثر دموية للقوات الروسية في إفريقيا، ويثير الشكوك حول الاستراتيجية الأمنية للمجلس العسكري.

في المناطق الحدودية النائية شمال مالي، حيث تلتقي رمال الصحراء الكبرى بالحدود الوعرة مع الجزائر، وقعت كارثة عسكرية تهدد بإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في غرب إفريقيا. فخلال الأسبوع الماضي، ظهرت تقارير وأدلة بصرية مروعة عن كمين مدمر نصبه المتمردون الانفصاليون من الطوارق لقافلة مشتركة من الجيش المالي و”فيلق إفريقيا” الروسي – البديل لمجموعة “فاغنر” سيئة السمعة. ويرى المحللون أن حجم هذه الهزيمة يمثل الضربة الأكبر للمصالح الروسية في منطقة الساحل منذ أن بدأت موسكو توسعها الهجومي في البنية الأمنية للقارة.

دارت رحى المعركة بالقرب من بلدة “تينزاواطين” الحدودية؛ حيث كانت القوات المسلحة المالية (FAMa) ونظراؤها من الروس يضغطون شمالاً لعدة أيام في محاولة لاستعادة الأراضي من “الإطار الاستراتيجي الدائم للسلام والأمن والتنمية” (CSP-DPA)، وهو تحالف يضم جماعات متمردة غلبيتها من الطوارق. غير أن القوة الاستكشافية وقعت في حركة كماشة، زادت من حدتها عاصفة رملية مفاجئة وعنيفة أدت إلى تحييد التفوق الجوي للمجلس العسكري. ما تلا ذلك كان معركة استمرت لعدة أيام أسفرت عن مقتل عشرات المرتزقة الروس والجنود الماليين، مع وقوع عشرات آخرين في الأسر أو فقدان أثرهم وسط الكثبان الرملية.

نهاية “سراب” القوة التي لا تقهر

بالنسبة للمجلس العسكري الحاكم بقيادة العقيد عاصيمي غويتا، الذي استولى على السلطة في سلسلة من الانقلابات بدأت في عام 2020، جرى تقديم الشراكة مع روسيا كبديل أكثر فعالية للبعثات الفرنسية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المغادرة. كان الوعد بسيطاً: القوة الروسية ستحقق ما عجزت عنه الدبلوماسية الغربية والمساعدات المشروطة، وهو استعادة السيادة الوطنية الكاملة على الشمال المضطرب. ولسنوات قليلة، اكتسبت هذه الرواية زخماً مع استعادة القوات المدعومة من فاغنر لبلدات رئيسية مثل كيدال، إلا أن مجزرة تينزاواطين حطمت سراب القوة المحيط بالوجود الروسي.

وتُظهر مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تم التحقق منها لاحقاً من قبل مراقبي استخبارات مستقلين وناجين من القوات الروسية، الحطام المتفحم لمركبات مدرعة مقاومة للألغام وجثث مقاتلين بيض متناثرة في الصحراء. ومن بين القتلى المؤكدين نيكيتا فيديانين، مدير قناة “Grey Zone” الشهيرة على تلغرام، والتي كانت بمثابة الذراع الدعائي الرئيسي لأنشطة المرتزقة الروس في العالم. ويمثل مقتله، إلى جانب جزء كبير من فصيلة مخضرمة، خسارة للخبرات الميدانية والقدرات التكتيكية النخبوية لفيلق إفريقيا.

مشهد تكتيكي متغير

لا تُعد هذه الهزيمة مجرد فشل تكتيكي محلي، بل تسلط الضوء على سوء تقدير عميق في استراتيجية مكافحة التمرد التي يتبعها المجلس العسكري. فمن خلال إعطاء الأولوية للقوة العسكرية الصرفة على حساب المصالحات السياسية المنصوص عليها في اتفاق الجزائر لعام 2015 (الذي أصبح في حكم الملغى)، دفع المجلس العسكري الطوارق للعودة إلى حرب شاملة. ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق على الاستقرار الإقليمي هو التدخل الانتهازي لمسلحي تنظيم القاعدة، وتحديداً “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM)، الذين زعموا أيضاً مشاركتهم في المراحل المتأخرة من المواجهة.

وبينما يظل “الإطار الاستراتيجي” و”جماعة نصرة الإسلام” على طرفي نقيض أيديولوجياً، فإن الهدف المشترك المتمثل في طرد “غزاة فاغنر” خلق تنسيقاً واقعياً في ميدان المعركة. هذا التقارب يعقد المشهد الأمني للدول المجاورة مثل الجزائر وموريتانيا، التي تخشى امتداد العنف وأزمة إنسانية مع فرار السكان من القتال المكثف. كما يشير استخدام المتمردين لتكتيكات متطورة، بما في ذلك النشر الفعال للطائرات المسيرة الصغيرة والعبوات الناسفة المنسقة، إلى أن المتمردين تكيفوا مع أسلوب الحرب الروسية المميكنة بشكل أسرع مما كان متوقعاً.

“فيلق إفريقيا” تحت ضغط موسكو

يأتي هذا الحادث في وقت حساس بالنسبة للكرملين. فمنذ وفاة يفغيني بريغوجين العام الماضي، تعمل وزارة الدفاع الروسية على إخضاع عمليات فاغنر الواسعة في إفريقيا لسيطرة الدولة الرسمية من خلال “فيلق إفريقيا”. وكان الهدف من هذا الانتقال توفير مزيد من الاستقرار والشفافية للدول العميلة لروسيا في “تحالف دول الساحل” (مالي وبوركينا فاسو والنيجر). ومع ذلك، فإن فقدان عشرات العملياتيين المتمرسين في مواجهة واحدة يثير تساؤلات حول قدرة الوزارة على إدارة حرب عصابات عالية الكثافة من موسكو.

أما التداعيات السياسية في باماكو فهي لا تقل خطورة؛ فرغم محاولات المجلس العسكري السيطرة على الرواية عبر وسائل الإعلام الحكومية، إلا أن حجم اللقطات المسربة من أرض المعركة جعل من المستحيل إخفاء حجم الخسائر. وللمرة الأولى منذ طرد القوات الفرنسية، يواجه الجمهور المالي حقيقة أن حلفاءهم الجدد ليسوا مجرد بشر فانين فحسب، بل ربما استنزفوا قدراتهم فوق طاقتها. إن اعتماد المجلس العسكري على نهج “الأمن أولاً” يواجه الآن أصعب اختباراته، في وقت لا تظهر فيه بوادر لتراجع تمرد الشمال.

أصداء جيوسياسية وظلال أوكرانية

مما يضيف طبقة من الغموض الدولي على صراع الصحراء، تقارير تشير إلى تورط أوكراني. فقد لمح مسؤولون في كييف، دون إعلان المسؤولية المباشرة، إلى تقديم معلومات استخباراتية و”بيانات ضرورية” للمتمردين لتسهيل الضربة ضد الأصول الروسية. وإذا ثبتت صحة ذلك، فسيشكل ذلك توسعاً كبيراً للحرب الروسية الأوكرانية إلى المسرح الإفريقي، حيث تسعى كييف لاستنزاف موارد روسيا وهيبتها بعيداً عن خطوط المواجهة في دونباس.

ومع انقشاع الغبار في تينزاواطين، تبدو التداعيات على منطقة الساحل واضحة؛ فالصراع في مالي لم يعد تمرداً محلياً، بل أصبح بؤرة للتنافس على القوة العالمية. وبالنسبة للمجلس العسكري المالي، فإن الطريق أمامهم محفوف بالمخاطر؛ إذ إن الإصرار على الحل العسكري ينذر بمزيد من الخسائر الكارثية، بينما تتطلب العودة إلى طاولة المفاوضات اعترافاً مهيناً بأن التدخل الروسي فشل في تحقيق السلام المنشود. في الوقت الحالي، تظل الصحراء مقبرة لأولئك الذين يقللون من شأن مرونة محاربيها وتعقيد مظالمها التاريخية.

أضف تعليق