في انعكاس صارخ لتدهور البيئة الأمنية العالمية، بلغ إجمالي الإنفاق العسكري العالمي مستوى تاريخياً غير مسبوق عند 2.44 تريليون دولار خلال العام الماضي. ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 6.8% بالقيمة الحقيقية مقارنة بالعام السابق، وهي أكبر زيادة سنوية يتم تسجيلها منذ عام 2009. ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، فقد ارتفع الإنفاق العسكري في جميع المناطق الجغرافية الخمس للمرة الأولى منذ عام 2009، وهي: أفريقيا، والأمريكتان، وآسيا وأوقيانوسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط.
ويرى المحللون الدفاعيون أن هذه القفزة غير المسبوقة هي نتيجة مباشرة لانهيار السلم والأمن الدوليين؛ فمن الصراع المطول في أوكرانيا إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والمنافسة المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بدأت الدول في التخلي عن مفهوم “ثمار السلام” الذي ساد حقبة ما بعد الحرب الباردة، متجهة نحو تبني استراتيجيات الردع طويلة المدى والجاهزية القتالية النشطة.
هيمنة القوى العظمى: الولايات المتحدة والصين
لا تزال الولايات المتحدة تتربع على عرش الإنفاق العسكري العالمي دون منازع، حيث بلغت نفقاتها الدفاعية في العام المالي الماضي 916 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 37% من إجمالي الإنفاق العالمي. ويقترب هذا الرقم من ثلاثة أضعاف إنفاق الصين، ثاني أكبر منفق في العالم. وقد جاءت الزيادة الأمريكية مدفوعة بشكل أساسي بالاستثمارات في البحث والتطوير والاختبار، حيث يسعى البنتاغون للحفاظ على تفوقه التكنولوجي على المنافسين في مجالات مثل الصواريخ الفرط صوتية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الدفاع الفضائية.
ومن جانبها، خصصت الصين، ثاني أكبر منفق عالمي، ما يقدر بنحو 296 مليار دولار لجيشها، بزيادة قدرها 6% عن العام السابق، مسجلة بذلك العام التاسع والعشرين على التوالي من النمو في ميزانيتها العسكرية. ويركز التراكم العسكري المستمر لبكين على تحديث جيش التحرير الشعبي، مع التركيز بشكل خاص على القدرات البحرية والصاروخية، مما أدى إلى سباق تسلح إقليمي دفع دول الجوار مثل اليابان وتايوان إلى تعزيز ميزانياتها الدفاعية بشكل كبير.
أوروبا: قارة تعيد التسلح
لعل التحول الأكثر دراماتيكية قد حدث في القارة الأوروبية؛ حيث أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تغيير جذري في البنية الأمنية للقارة. فقد ارتفع إجمالي الإنفاق العسكري في أوروبا بنسبة 16%، وكانت دول أوروبا الشرقية في طليعة هذا التوجه. وزاد الإنفاق العسكري الروسي بنسبة 24% ليصل إلى ما يقدر بنحو 109 مليارات دولار، وهو ما يمثل 5.9% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى لها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
وعلى الجانب الآخر من الجبهة، ارتفع الإنفاق العسكري الأوكراني إلى 64.8 مليار دولار، وبينما يظل هذا الرقم أقل من إجمالي الإنفاق الروسي، فإنه يمثل نسبة مذهلة بلغت 37% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وعلاوة على ذلك، عند إضافة المساعدات العسكرية بمليارات الدولارات التي قدمها الحلفاء الغربيون، فإن الموارد الدفاعية الإجمالية لأوكرانيا تقترب من نظيرتها الروسية، مما حول المنطقة إلى ساحة حرب صناعية مكثفة لم تشهد أوروبا مثيلاً لها منذ ثمانية عقود.
الشرق الأوسط وتوترات المحيطين الهندي والهادئ
شهد الشرق الأوسط زيادة بنسبة 9% في الإنفاق العسكري، ليصل إلى ما يقدر بنحو 200 مليار دولار. وقد جاءت هذه الزيادة مدفوعة بشكل أساسي بالإنفاق السعودي – خامس أكبر منفق عالمياً – والإنفاق الإسرائيلي الذي نما بنسبة 24% نتيجة العمليات العسكرية واسعة النطاق في غزة. وقد دفع عدم الاستقرار الإقليمي دولاً خليجية أخرى إلى زيادة مشترياتها من أنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة والطائرات المقاتلة.
وفي آسيا، تسيطر المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين على المشهد؛ حيث خصصت اليابان 50.2 مليار دولار لجيشها كجزء من خطة لزيادة إنفاقها الدفاعي بحلول عام 2027، متحولة عن عقيدتها الدفاعية التقليدية نحو امتلاك قدرات “الضربات المضادة”.
تداعيات اقتصادية وحقبة جديدة من عدم الاستقرار
فرض هذا الارتفاع ضغوطاً هائلة على القاعدة الصناعية الدفاعية العالمية، حيث تكافح شركات الدفاع الغربية لتلبية الطلب المتزايد على الذخائر والأسلحة المتطورة وسط اختناقات في سلاسل التوريد ونقص العمالة الماهرة. كما أثار توجيه الأموال العامة نحو التسلح نقاشات سياسية حادة حول المفاضلة بين الإنفاق العسكري والخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والمناخ.
وتشير الأرقام القياسية لعام 2023 إلى أن العالم يدخل حقبة من عدم الاستقرار المطول، حيث لم يعد هذا الارتفاع مجرد طفرة مؤقتة، بل تغييراً هيكلياً في كيفية تعامل الدول مع أمنها القومي. ومع غياب أي نهاية تلوح في الأفق للصراعات الحالية، يتوقع استمرار المسار التصاعدي للميزانيات الدفاعية العالمية خلال العقد المقبل، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ جسيم لمنع انهيار النظام العالمي.