في تطور مأساوي يبرز المخاطر المتصاعدة التي تواجه الطواقم الإعلامية في الشرق الأوسط، انتشلت طواقم الإنقاذ في لبنان جثمان صحفي يعمل في صحيفة يومية مقربة من حزب الله من تحت أنقاض منزل استهدفه الجيش الإسرائيلي. وتأتي هذه الحادثة، التي وقعت في ظل موجة من القصف الجوي المكثف والعمليات البرية، لتضع قضية استهداف الإعلاميين في مناطق النزاع العسكري تحت مجهر الانتقادات من جديد.
ووفقاً لتقارير الإعلام الرسمي اللبناني ومصادر أكدتها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، عُثر على الجثمان بين أنقاض مبنى سكني في جنوب لبنان كان قد استُهدف بغارة جوية إسرائيلية في وقت سابق من هذا الأسبوع. وحُددت هوية الصحفي كونه مساهماً في مطبوعة بارزة معروفة بتوجهاتها الافتتاحية المنحازة للأهداف السياسية والعسكرية لحزب الله. واستغرقت جهود الانتشال عدة أيام بسبب استمرار القصف ومخاطر الانهيارات الثانوية في المنطقة.
ظروف الغارة واستهداف البنية التحتية
يصر الجيش الإسرائيلي على أن عملياته في لبنان تستهدف بدقة البنية التحتية العسكرية لحزب الله، بما في ذلك مراكز القيادة ومخازن الأسلحة والمراكز الاستخباراتية. وفي بيان صدر عقب الموجة الأخيرة من الضربات، شدد متحدث باسم الجيش الإسرائيلي على اتخاذ احتياطات للحد من الأضرار المدنية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن حزب الله يعمد غالباً إلى دمج أصوله العملياتية داخل المنشآت المدنية.
وجاء في البيان: “تستهدف قواتنا القدرات العملياتية لمنظمة إرهابية أطلقت آلاف الصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وقد حذرنا السكان في مناطق محددة للإخلاء حفاظاً على سلامتهم”. ومع ذلك، أثار مقتل عامل في المجال الإعلامي — حتى وإن كان تابعاً لمنظمة تصنفها دول غربية كمنظمة إرهابية — نقاشاً حاداً حول تصنيف الأهداف وسلامة غير المقاتلين في مناطق الحروب عالية الكثافة.
المشهد الإعلامي والجدل القانوني
يتسم المشهد الإعلامي في لبنان بانقسامات حادة على أسس طائفية وسياسية؛ حيث تُعد المطبوعات المقربة من حزب الله أدوات أيديولوجية بالغة الأهمية للحزب لنشر خطابه وتوفير منصة لقياداته. وبينما يرى أنصار الحزب في هذه الوسائل صوتاً للمقاومة ضد العدوان الإسرائيلي، تعتبرها الحكومة الإسرائيلية وحلفاؤها جزءاً لا يتجزأ من جهاز البروباغندا والحرب النفسية التابع للحزب.
وغالباً ما تتداخل الخطوط الفاصلة في هذا الصراع بين الصحفي الذي يؤدي واجبه المهني والعضو في الجناح الإعلامي لمنظمة مسلحة. ولطالما حذرت مجموعات الدفاع عن حرية الصحافة الدولية من أن استهداف الصحفيين — بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية — يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. وفي المقابل، جادل الجيش الإسرائيلي سابقاً بأن بعض حاملي البطاقات الصحفية في لبنان وغزة هم أعضاء فاعلون في جماعات مسلحة يشاركون في الأعمال العدائية تحت غطاء الصحافة.
تحذيرات دولية من استهداف الصحفيين
يُضاف مقتل هذا الصحفي إلى قائمة متزايدة من الضحايا الإعلاميين في المنطقة منذ اندلاع الأعمال العدائية عقب هجمات السابع من أكتوبر. ووفقاً للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، أصبح الصراع الحالي واحداً من أكثر الفترات دموية بالنسبة للعاملين في الإعلام في التاريخ الحديث. وقد دفعت عملية انتشال الجثمان منظمات دولية للمطالبة بفتح تحقيق شفاف في ظروف الغارة.
وصرح متحدث باسم منظمة حقوقية بارزة قائلاً: “الصحفيون مدنيون ويجب حمايتهم بموجب القانون الدولي. إن انتماء الصحفي إلى حركة سياسية معينة لا يجرده من وضعه المحمي ما لم يشارك مباشرة في الأعمال العدائية”.
السياق الجيوسياسي الأوسع
لا تظهر المواجهة المستمرة بين إسرائيل وحزب الله أي علامات على التراجع، حيث تطورت المناوشات الحدودية إلى حملة عسكرية واسعة تشمل ضربات جوية في عمق لبنان وهجوماً برياً في الجنوب. وكانت التكلفة البشرية باهظة، مع سقوط آلاف الضحايا ونزوح أكثر من مليون شخص في لبنان، فضلاً عن نزوح واسع في شمال إسرائيل نتيجة صواريخ حزب الله.
ويأتي انتشال جثمان الصحفي في وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار متعثرة، حيث يتمسك كل طرف بمواقفه؛ إذ تطالب إسرائيل بانسحاب قوات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، بينما يؤكد الحزب استمرار عملياته طالما استمرت الحرب في غزة.
الخاتمة
يعد مقتل صحفي تحت أنقاض منزله تذكيراً قاتماً بالطبيعة العشوائية لحروب المدن الحديثة. ومع استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية وردود حزب الله، يظل الخط الفاصل بين المقاتل والمدني رفيعاً وخطراً. وبالنسبة للمجتمع الإعلامي، فإن فقدان زميل آخر هو إشارة مقلقة إلى أن مساحة التغطية من الخطوط الأمامية تتلاشى بسرعة، تبتلعها الأنقاض ذاتها التي يسعون لتوثيقها.