باماكو، مالي – أفاد الجيش المالي بتصاعد كبير في التمرد الذي طال أمده في البلاد، مؤكداً أن جماعات مسلحة شنت سلسلة من “الهجمات المتزامنة” عبر مناطق متعددة يوم الثلاثاء. استهدفت هذه الهجمات المنسقة مواقع عسكرية وبنية تحتية، مما يمثل استعراضاً وقحاً للقوة من قبل المسلحين ويزيد من زعزعة استقرار الدولة الهشة في غرب إفريقيا، وفقاً لتقرير أولي لقناة الجزيرة.
وبينما لا تزال التفاصيل شحيحة والتأكيد الرسمي بشأن الخسائر في الأرواح معلقاً، يشير بيان الجيش المالي إلى مستوى من التخطيط والتنسيق لم يُشاهد غالباً في الأشهر الأخيرة. ويُقال إن الهجمات امتدت عبر وسط وشمال مالي، وهي مناطق كانت بؤراً للنشاط الجهادي لأكثر من عقد من الزمان. ويؤكد هذا التطور التحديات الأمنية الهائلة التي تواجه المجلس العسكري الحاكم في مالي، والذي استولى على السلطة في عامي 2020 و 2021، واعداً بإعادة الاستقرار.
**الهجمات المنسقة تُشير إلى تطور في قدرات المسلحين**
أشارت مصادر مقربة من القوات المسلحة المالية إلى أن الهجمات استهدفت ثلاث مناطق متميزة على الأقل: أجزاء من منطقة موبتي في وسط مالي، وأجزاء من منطقة سيغو، ومواقع محتملة أبعد إلى الشمال، بما في ذلك مناطق قريبة من المعاقل التقليدية لمختلف الجماعات المسلحة. ويُعتقد أن المسلحين، الذين يُزعم أنهم مدججون بالسلاح، استخدموا مزيجاً من العبوات الناسفة المحمولة بالمركبات (VBIEDs) والنيران المباشرة لإرباك المواقع الثابتة وكمين الدوريات.
ويثير الطابع المتزامن لهذه الهجمات قلقاً خاصاً لدى المحللين الأمنيين. فهو يشير إلى تطور في قدرات المسلحين، متجاوزاً المناوشات المعزولة إلى هجوم استراتيجي متعدد الجبهات مصمم لاستنزاف موارد الجيش المالي وإلحاق أقصى قدر من الأضرار النفسية والجسدية. وتعتبر هذه التكتيكات سمة مميزة للجماعات المنظمة جيداً التي تهدف إلى إظهار نفوذها وتحدي سلطة الدولة عبر مساحات شاسعة من الأراضي.
“هذه ليست أعمال عنف عشوائية،” صرحت الدكتورة فاتوماتا كيتا، خبيرة الأمن الإقليمي ومقرها باماكو. “هذا المستوى من التنسيق يشير إلى قدرة لوجستية وتشغيلية كبيرة، على الأرجح من أحد التحالفات الجهادية الرئيسية العاملة في الساحل. هدفهم هو خلق الفوضى، وتعطيل خطوط الإمداد، وربما حتى اختبار تصميم القيادة العسكرية الجديدة وشركائها الاستراتيجيين.”
**غموض يلف الخسائر والرد**
مع استمرار ورود الأنباء من المناطق المتضررة النائية والتي يصعب الوصول إليها في كثير من الأحيان، لا تزال الأرقام الدقيقة للخسائر غير مؤكدة. ومع ذلك، تشير التقارير الأولية من مصادر أمنية محلية وعمال إغاثة إنسانية إلى أن كلاً من العسكريين وربما المدنيين الذين علقوا في تبادل إطلاق النار قد تكبدوا خسائر. وقد تعهد الجيش المالي برد سريع وقوي، ونشر تعزيزات وبدأ عمليات مضادة، لكن الحجم الهائل للهجمات يعقد التقييم الفوري وجهود الإغاثة.
التحديات اللوجستية للعمل في مالي هائلة. فالتضاريس الشاسعة والجافة، المقترنة بالبنية التحتية المحدودة وشبكات الاتصالات، تعني غالباً أن المعلومات الرسمية تظهر ببطء ويصعب التحقق منها بشكل مستقل. وهذا الفراغ يسمح غالباً بانتشار الشائعات، مما يزيد من أجواء الخوف وعدم اليقين بين السكان المحليين الذين يتحملون وطأة العنف.
**ظل الجماعات الجهادية**
بينما لم تعلن أي جماعة مسؤوليتها على الفور، يقع الشك مباشرة على تحالفين جهاديين مهيمنين يعملان في المنطقة: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، وهي فرع لتنظيم القاعدة، والدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS). وقد تنافست كلتا الجماعتين على السيطرة والنفوذ، مستغلتين التوترات العرقية وضعف الدولة لتجنيد المقاتلين وتوسيع نفوذهما الإقليمي.
أثبتت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، التي تشكلت عام 2017 من خلال دمج عدة جماعات أصغر، براعتها بشكل خاص في التغلغل داخل المجتمعات المحلية، وتقديم مظهر من النظام حيث تغيب الدولة، بينما تشن في الوقت نفسه هجمات مميتة ضد الأهداف العسكرية والمدنية. ومن ناحية أخرى، تُعرف الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS) بوحشيتها الشديدة وتركيزها على التوسع الإقليمي، وكثيراً ما تتصادم مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقدر تصادمها مع قوات الدولة.
**المشهد الأمني الهش في مالي**
تأتي الموجة الأخيرة من الهجمات في منعطف حرج لمالي. فقد كانت البلاد تكافح تمرداً معقداً منذ عام 2012، عندما تم اختطاف تمرد الطوارق في الشمال من قبل مسلحين مرتبطين بالقاعدة. وعلى الرغم من عقد من التدخل الدولي، بما في ذلك وجود عسكري فرنسي كبير (عملية برخان) وبعثة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة (مينوسما)، تدهور الوضع الأمني بشكل مطرد، وانتشر من الشمال إلى وسط مالي وامتد إلى بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين.
أدى انسحاب القوات الفرنسية، الذي اكتمل في عام 2022، والتخفيض التدريجي المستمر لبعثة مينوسما بناءً على طلب المجلس العسكري المالي، إلى خلق فراغ أمني كبير. وقد تحولت الحكومة العسكرية بشكل متزايد إلى روسيا للحصول على المساعدة الأمنية، بما في ذلك نشر أفراد يُعتقد على نطاق واسع أنهم مرتبطون بمجموعة فاغنر، وهي شركة عسكرية خاصة. ومع ذلك، يرى النقاد أن هذا التحول في التحالفات لم يسفر بعد عن تحسن حاسم في الأمن وقد زاد بدلاً من ذلك من تعقيد الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
بالنسبة للماليين العاديين، وخاصة أولئك في المناطق الريفية، تعني الهجمات تعميق أزمة إنسانية مروعة بالفعل. فالنزوح وانعدام الأمن الغذائي وتعطيل الخدمات الأساسية منتشرة على نطاق واسع. وتظل المدارس مغلقة في العديد من المناطق، ومرافق الرعاية الصحية غير موجودة أو معطلة، وسبل العيش مهددة باستمرار. ويبقى مستقبل الملايين غير مؤكد، عالقين بين دولة تكافح وجماعات مسلحة لا هوادة فيها.
تُعد الهجمات المنسقة بمثابة تذكير صارخ بالتهديد المستمر والمتطور الذي تشكله الجماعات المسلحة في مالي. وبينما يحشد الجيش المالي رده، يراقب المجتمع الدولي بقلق، مدركاً أن استقرار منطقة الساحل بأكملها يعتمد على قدرة مالي على مواجهة هذا التمرد المتصاعد.