تحول استراتيجي: وزير الخارجية الإيراني يلتقي بوتين في موسكو وسط تعثر المحادثات النووية مع واشنطن
في خطوة دبلوماسية رفيعة المستوى تعكس التحولات الجيوسياسية المتسارعة في أوراسيا والشرق الأوسط، التقى وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو هذا الأسبوع. ويأتي هذا الاجتماع، الذي وصفه مسؤولون من الجانبين بأنه “خطوة هامة نحو شراكة استراتيجية”، في توقيت حرج؛ حيث وصلت المفاوضات الرامية لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) لعام 2015 بين طهران والقوى العالمية إلى طريق مسدود، مما ترك إدارة بايدن في حالة من الجمود الدبلوماسي.
ومع فتح أبواب الكرملين للوفد الإيراني، كانت الرسالة الموجهة إلى واشنطن واضحة تماماً؛ فإيران، التي تشعر بالإحباط مما تعتبره تعنتاً أمريكياً وبطئاً في رفع العقوبات، تتجه بشكل متزايد نحو الشرق لتأمين مستقبلها الاقتصادي والأمني. وبالنسبة للرئيس بوتين، وفر الاجتماع فرصة سانحة لإثبات أن موسكو لا تزال ركيزة أساسية لنظام عالمي بديل ناشئ، رغم الجهود الغربية لعزل روسيا في أعقاب غزو أوكرانيا.
اجتماع موسكو: رسالة إلى الغرب
ذكرت التقارير أن المباحثات في موسكو استمرت عدة ساعات، وشملت مجموعة واسعة من المواضيع، من التجارة الثنائية والتعاون في مجال الطاقة إلى التحديات الأمنية الإقليمية المستمرة في سوريا والقوقاز. ومع ذلك، خيّم ظل الاتفاق النووي بشكل كبير على المداولات. ووفقاً لمصادر مطلعة على الاجتماع، أطلع وزير الخارجية الإيراني بوتين على آخر المستجدات المتعلقة بالتواصل -أو انعدامه- مع وسطاء الاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الأمريكية.
وصرح أمير عبد اللهيان خلال مؤتمر صحفي مشترك عقب الجلسات المغلقة قائلاً: “إن سياستنا المتمثلة في ‘التوجه نحو الشرق’ ليست تكتيكاً مؤقتاً بل هي خيار استراتيجي”. وأكد أنه بينما تظل إيران منفتحة على عودة فعالة لاتفاق عام 2015، فإنها لن تنتظر إلى الأبد حتى تتخذ الولايات المتحدة “القرارات السياسية اللازمة” لرفع العقوبات. وبدوره، جدد بوتين دعم روسيا لموقف طهران، منتقداً العقوبات “أحادية الجانب وغير القانونية” التي فرضها الغرب على كلا البلدين.
ركود الاتفاق النووي والتحول شرقاً
على مدار أشهر، ظلت محادثات فيينا لاستعادة الاتفاق النووي تحت أجهزة الإنعاش. وتتمثل نقاط الخلاف الرئيسية في رفض الولايات المتحدة تقديم ضمانات طويلة الأجل بأن أي إدارة مستقبلية لن تنسحب من الاتفاق مرة أخرى، كما فعل دونالد ترامب في عام 2018، بالإضافة إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أجنبية. ومع بقاء هذه القضايا دون حل، رفعت إيران بثبات مستويات تخصيب اليورانيوم، مما قلص “زمن الاختراق” النووي إلى نافذة تصفها وكالات الاستخبارات الغربية بأنها قصيرة بشكل خطير.
دفع هذا المأزق طهران إلى تسريع وتيرة اندماجها في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وإطار “بريكس+”. ومن خلال التقارب الوثيق مع روسيا، تسعى إيران إلى إنشاء ممر اقتصادي محصن ضد العقوبات، ويشمل ذلك تطوير ممر النقل الدولي “شمال-جنوب” (INSTC)، وهو شبكة متعددة الوسائط بطول 7200 كيلومتر من السفن والسكك الحديدية والطرق البرية لنقل البضائع بين الهند وإيران وأذربيجان وروسيا وآسيا الوسطى وأوروبا.
التعاون العسكري وصراع أوكرانيا
تطرق الاجتماع أيضاً إلى موضوع يحظى برقابة شديدة من واشنطن، وهو التعاون العسكري المتنامي بين طهران وموسكو. فقد دق المسؤولون الأمريكيون ناقوس الخطر مراراً بشأن تزويد إيران للجيش الروسي بطائرات مسيرة لاستخدامها في الصراع في أوكرانيا. وبينما قللت طهران وموسكو رسمياً من حجم هذه التجارة العسكرية، إلا أن التآزر التكتيكي بين البلدين وصل إلى مستويات غير مسبوقة.
ويرى محللون أن إيران تسعى، مقابل تكنولوجيا الطائرات المسيرة والدعم المحتمل بالصواريخ الباليستية، إلى الحصول على أسلحة روسية متطورة، بما في ذلك مقاتلات “سو-35” وأنظمة الدفاع الجوي “إس-400”. ومن شأن مثل هذا التبادل أن يغير بشكل كبير ميزان القوى في منطقة الخليج، وهو احتمال وضع المنافسين الإقليميين والولايات المتحدة في حالة تأهب قصوى.
الرد الأمريكي والتداعيات الإقليمية
جاء رد وزارة الخارجية الأمريكية على اجتماع موسكو مشوباً بالقلق؛ حيث أشار متحدث باسم الوزارة إلى أن “تعميق تحالف إيران مع دولة تنتهك سيادة جارتها هو علامة على عزلتها المتزايدة عن المجتمع الدولي”. ومع ذلك، تشير الوقائع على الأرض إلى عكس ذلك؛ فبدلاً من العزلة، تجد إيران قواسم مشتركة مع قوة نووية عظمى تشاركها الازدراء للنظام المالي والسياسي الذي يقوده الغرب.
كما تردد صدى الاجتماع في عواصم الشرق الأوسط؛ فإسرائيل، التي حافظت على توازن دقيق مع روسيا بسبب تواجد الأخيرة في سوريا، تنظر إلى تعمق العلاقات الروسية الإيرانية بقلق شديد. ولطالما جادل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن “التهديد العسكري الموثوق” هو الوحيد القادر على وقف طموحات إيران النووية، لكن وجود مظلة دفاعية روسية فوق إيران قد يجعل أي عمل عسكري من هذا القبيل أكثر تعقيداً وخطورة.
الخلاصة: حقبة جديدة من التحدي
مع مغادرة الوفد الإيراني لموسكو، عادت الكرة الدبلوماسية مرة أخرى إلى ملعب واشنطن، إلا أن الخيارات المتاحة أمام إدارة بايدن تضيق بشكل ملحوظ. فاستراتيجية “الضغط الأقصى” عبر العقوبات فشلت في إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات بالشروط الأمريكية، كما يظل البديل -أي التصعيد العسكري- مساراً خطيراً وغير مقبول شعبياً.
تؤكد قمة أمير عبد اللهيان وبوتين أن حقبة الدبلوماسية التي تتمحور حول الغرب في الشرق الأوسط تواجه التحدي الأكبر لها حتى الآن. ومن خلال ترسيخ محور “موسكو-طهران”، يبعث كلا البلدين بإشارة مفادها أنهما مستعدان لتحمل الضغوط الاقتصادية الغربية عبر بناء نظام موازٍ للتجارة والأمن. وبالنسبة للشعب الإيراني، يبقى نجاح هذا التحول رهن الاختبار مع استمرار معاناة الاقتصاد المحلي، ولكن بالنسبة للقيادة في طهران، أصبح الطريق إلى الكرملين هو شريان الحياة الرئيسي في عالم يزداد استقطاباً.