المجريون يصوتون في انتخابات تاريخية يتابعها عن كثب الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة
بودابست، المجر – يتوجه ملايين المجريين اليوم إلى صناديق الاقتراع في انتخابات برلمانية محورية، وهو حدث يراقبه عن كثب الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة. يُنظر إلى هذا الاقتراع على نطاق واسع على أنه استفتاء على حكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي دام عقدًا من الزمان، والذي أعاد تشكيل المشهد السياسي في المجر بنموذج مميز لـ “الديمقراطية غير الليبرالية” يتصادم بشكل متكرر مع بروكسل. ولن تحدد النتيجة التوجه الداخلي للمجر فحسب، بل ستكون لها تداعيات كبيرة على الوحدة الأوروبية، لا سيما فيما يتعلق بالحرب المستمرة في أوكرانيا، والتوازن الدقيق للقوى في أوروبا الوسطى.
يسعى رئيس الوزراء أوربان، الذي يقود حزب فيدس القومي، للفوز بولاية رابعة متتالية غير مسبوقة. وقد دافعت حملته عن السيادة الوطنية والقيم الأسرية التقليدية وموقف حازم ضد التدخل الأجنبي المتصور. وخلال 12 عامًا قضاها في السلطة، أشرف أوربان على إصلاحات دستورية ومؤسسية كبيرة، بما في ذلك تغييرات في القضاء ووسائل الإعلام، مما أثار اتهامات من الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية بتقويض المعايير الديمقراطية وسيادة القانون. وعلى الصعيد الاقتصادي، نفذت حكومته تخفيضات ضريبية وإعانات عائلية، والتي لاقت صدى لدى قاعدة ناخبين أساسية على الرغم من الارتفاعات الأخيرة في التضخم، وهو الآن مصدر قلق ملح للعديد من الأسر المجرية.
ويواجه أوربان تحديًا من ائتلاف واسع وموحد يضم ستة أحزاب معارضة، وهو تحالف غير مسبوق يقوده بيتر ماركي-زاي، وهو رئيس بلدية محافظة لمدينة صغيرة. يهدف هذا التكتل المتنوع، الذي يغطي الطيف السياسي، إلى استعادة الضوابط والتوازنات الديمقراطية، ومكافحة الفساد المنهجي، وتحسين علاقة المجر المتوترة غالبًا مع الاتحاد الأوروبي. ويشكل تشكيلهم بحد ذاته تحولًا كبيرًا في السياسة المجرية، ويمثل أخطر تهديد انتخابي واجهه أوربان منذ أكثر من عقد.
لقد نظر الاتحاد الأوروبي طويلًا إلى حكومة أوربان بقلق. وقد بدأت بروكسل إجراءات سيادة القانون ضد المجر، مستشهدة بمخاوف بشأن استقلال القضاء، وحرية الإعلام، والاستخدام الشفاف لأموال الاتحاد الأوروبي. وقد يؤدي انتصار أوربان إلى تصعيد هذه التوترات، مما قد يؤدي إلى مزيد من النزاعات المالية وتفاقم الانقسامات الأيديولوجية داخل التكتل. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، تختبر هذه الانتخابات قدرته على دعم المبادئ الديمقراطية بين دوله الأعضاء.
عززت المجر تحت حكم أوربان أيضًا علاقات أوثق مع روسيا من العديد من حلفائها في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لا سيما فيما يتعلق بسياسة الطاقة. وقد أصبحت هذه العلاقة نقطة خلاف، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. وقد حافظ أوربان على موقف دقيق من الحرب، أدان الغزو لكنه تجنب الانتقاد المباشر للرئيس فلاديمير بوتين وقاوم بعض جهود الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات أشد على الطاقة الروسية. ومن المرجح أن يؤدي استمرار حكم أوربان إلى حفاظ بودابست على خط أكثر استقلالية تجاه روسيا، مما قد يعقد الجهود لاتخاذ إجراء غربي موحد. كما تراقب الولايات المتحدة، بينما تعترف بالمجر كحليف في حلف الناتو، الانتخابات عن كثب، وقد أعربت عن مخاوفها بشأن التراجع الديمقراطي ونهج السياسة الخارجية لبودابست، لا سيما موقفها المستقل المتزايد تجاه موسكو.
لقد ألقت الحرب في أوكرانيا بلا شك بظلالها الطويلة على الانتخابات. وقد صاغ أوربان موقف حكومته على أنه يمنح الأولوية للمصالح الوطنية المجرية وتجنب التورط في الصراع، محذرًا من الإجراءات التي قد تصعد التوترات الإقليمية. وفي المقابل، تدعو المعارضة عمومًا إلى إدانة أكثر قوة لروسيا وتوافق أوثق مع سياسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الرئيسية، بحجة أن موقف أوربان يضعف مكانة المجر الدولية وسلطتها الأخلاقية. كما تؤثر الأزمة الإنسانية، مع عبور مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين أو سعيهم للجوء في المجر، على الرأي العام والحسابات الانتخابية.
وبعيدًا عن المخاوف الجيوسياسية، فإن القضايا المحلية مثل التضخم المتصاعد، وارتفاع أسعار الطاقة، وتكاليف المعيشة هي ذات أهمية قصوى للناخبين. وقد شن كل من حزب فيدس والمعارضة الموحدة حملات انتخابية على وعود بالاستقرار الاقتصادي والتحسين. ومن المتوقع أن تكون نسبة إقبال الناخبين مرتفعة، مما يعكس الرهانات العميقة لهذه الانتخابات. وقد فُتحت مراكز الاقتراع في جميع أنحاء البلاد في وقت مبكر من صباح اليوم، حيث حرص المواطنون على الإدلاء بأصواتهم فيما يعتبر على نطاق واسع واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ المجر الحديث.
من شأن انتصار فيكتور أوربان أن يعزز نموذجه “غير الليبرالي” للحكم ومن المرجح أن يؤدي إلى استمرار الاحتكاك مع الاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على موازنة مميزة لسياستها الخارجية بين الشرق والغرب. أما انتصار المعارضة، رغم التحديات التي يفرضها سيطرة حزب فيدس على موارد الدولة ووسائل الإعلام، فسيشير إلى عودة محتملة إلى المعايير الديمقراطية الأوروبية الأكثر تقليدية وإعادة تنظيم علاقات المجر الدولية. وبغض النظر عن النتيجة، سيتم تحليل النتائج بدقة من قبل العواصم في جميع أنحاء العالم، بينما تستمر المجر في التنقل في هويتها المعقدة في قلب أوروبا الوسطى.
مع إغلاق صناديق الاقتراع وبدء فرز الأصوات، تقف المجر عند مفترق طرق حاسم. فالخيار المطروح أمام مواطنيها اليوم لا يتعلق فقط بالقيادة المحلية، بل يتعلق بتحديد الاتجاه الأساسي للأمة ومكانتها على الساحة العالمية. ولا تزال عيون الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة مثبتة بقوة على بودابست، وهم يدركون تمامًا أن النتيجة ستتردد أصداؤها بعيدًا عن حدود المجر، مما يؤثر على الاستقرار الإقليمي والمشهد الجيوسياسي الأوسع.