ياوندي، الكاميرون — 26 أكتوبر 2023 — خلال زيارة مؤثرة وذات مغزى إلى الكاميرون، الدولة الواقعة في وسط إفريقيا، وجه البابا فرنسيس دعوة قوية ولا لبس فيها لكسر ‘سلاسل الفساد’ التي صرح بأنها تخنق التقدم، وتعمق عدم المساواة، وتقوض نسيج المجتمع ذاته. وقد لاقت رسالة الحبر الأعظم صدى عميقاً لدى جمهور ضم مسؤولين حكوميين وقادة دينيين وجمعاً غفيراً من المؤمنين في بلد يواجه منذ فترة طويلة تحديات الحكم وتأثيرات الفساد المنهجي المستشري.
وقد أكدت المناشدة الحماسية للأب الأقدس، والتي جاءت بصراحته المعهودة، على موضوع محوري في حبريته: الكفاح الدؤوب ضد الظلم الاجتماعي والدفاع عن كرامة الإنسان. وتحدث عن الفساد ليس كمجرد فعل إجرامي، بل كجرح أخلاقي ‘يستنزف الطاقات الحيوية للمجتمعات ويدمر الآمال المشروعة للشعوب’.
تحدٍ مباشر للسلطة والجشع
وفي عظة ألقاها في العاصمة ياوندي، لم يتوانَ البابا فرنسيس عن استخدام كلمات قوية، مشبهاً الفساد بـ ‘مرض’ ينتشر ‘كالسرطان’ في جسد الدولة. وذكر أنه ‘شكل من أشكال عبادة الأصنام، حيث تحل عبادة المال والسلطة محل عبادة الله وخدمة الإنسانية. إنها سلسلة تقيد الأفراد والأمم بأسرها، وتمنعهم من تحقيق إمكاناتهم الكاملة وتدين أرواحاً لا حصر لها إلى الفقر واليأس’.
وقد كانت رسالته بمثابة تحدٍ مباشر للقادة والمواطنين على حد سواء، حثهم فيها على مقاومة إغراء الكسب غير المشروع والتمسك بمبادئ الشفافية والمساءلة والحوكمة الأخلاقية. وشدد البابا على مسؤولية من هم في السلطة لخدمة الصالح العام بدلاً من المصالح الخاصة، مذكراً إياهم بأن القيادة الحقيقية هي رعاية، لا استغلال.
لقد واجهت الكاميرون، شأنها شأن العديد من الدول في المنطقة، صراعات مستمرة مع الفساد، الذي حددته هيئات دولية مختلفة كعقبة رئيسية أمام التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وقد أبرزت تقارير منظمات مثل منظمة الشفافية الدولية باستمرار التحديات في الإدارة العامة، والأنظمة القضائية، وإدارة الموارد. واعتبر الكثيرون قرار البابا بمعالجة هذه القضية الحساسة بشكل مباشر خلال زيارته تدخلاً شجاعاً وضرورياً، يعكس التزامه بمواجهة الحقائق غير المريحة.
التأثير على أرض الواقع: أمل وسط الصعاب
بالنسبة للمواطن الكاميروني العادي، كان لكلمات البابا وزن هائل. يعاني العديد من المواطنين من صعوبات يومية تفاقمها الفساد، بدءًا من الحاجة إلى دفع الرشاوى مقابل الخدمات الأساسية وصولاً إلى مشاهدة تحويل الأموال العامة المخصصة للبنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية. وقد قدم اعتراف الحبر الأعظم بمعاناتهم بصيص أمل وتأكيداً لمشكلتهم.
‘عندما يتحدث البابا عن السلاسل، فهو يتحدث عن واقعنا’، علقت ماري ندي، معلمة محلية حضرت إحدى الفعاليات البابوية. ‘نرى كيف يمنع الفساد أطفالنا من الحصول على تعليم جيد، وكيف يجعل المستشفيات غير كافية. سماعه يدين الفساد بهذه القوة يمنحنا الشجاعة لمواصلة النضال من أجل الحق’.
لطالما لعب قادة الكنيسة في الكاميرون دورًا حاسمًا في الدعوة إلى العدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة. ومن المتوقع أن تعزز زيارة البابا فرنسيس هذه الجهود المحلية، مقدمةً دافعًا أخلاقيًا واهتمامًا عالميًا لعملهم المستمر. وقد شجع الكهنة والمؤمنين العلمانيين على أن يكونوا ‘أنبياء عدالة’، وحثهم على التحدث علانية ضد الأخطاء وعلى تعزيز النزاهة بنشاط في حياتهم اليومية ومجتمعاتهم.
رسالة عالمية بصدى محلي
إن إدانة البابا للفساد في الكاميرون ليست حدثًا منعزلاً، بل هي خيط ثابت ينسج خلال حبريته بأكملها. فمن إدانته لسوء السلوك المالي داخل الفاتيكان إلى دعواته العالمية للعدالة الاقتصادية، استهدف فرنسيس باستمرار الجذور المنهجية لعدم المساواة والاستغلال. وقد كانت زيارته إلى الكاميرون بمثابة تذكير قوي بأن هذه التحديات العالمية تتجلى بكثافة خاصة في الدول النامية، حيث يمكن لنقاط الضعف المؤسسية أن تجعل السكان أكثر عرضة للممارسات الاستغلالية.
وحث الهيئات الدولية والدول الأكثر ثراءً على التفكير في دورها في إدامة الفساد العالمي، سواء من خلال التدفقات المالية غير المشروعة أو الملاذات الضريبية أو الممارسات التجارية الاستغلالية. وألمح إلى أن ‘سلاسل الفساد’ غالبًا ما تكون لها روابط تمتد إلى ما وراء الحدود الوطنية، مما يتطلب جهدًا جماعيًا وعالميًا لتفكيكها.
بوضع هذه القضية الحيوية في الواجهة خلال زيارة دولية رفيعة المستوى، لم يقدم البابا فرنسيس إرشادًا روحيًا فحسب، بل قدم أيضًا قيادة سياسية وأخلاقية. لا شك أن كلماته ستتردد أصداؤها في أروقة السلطة في ياوندي وما وراءها، لتكون حافزًا للتفكير، ونأمل، لعمل ملموس.
ومع اختتام الحبر الأعظم لزيارته، بقيت رسالته واضحة: كسر سلاسل الفساد يتطلب أكثر من مجرد إدانة؛ إنه يتطلب تحولاً عميقًا في القلوب، والتزامًا متجددًا بالقيادة الأخلاقية، وإرادة جماعية لبناء مجتمعات قائمة على العدالة والتضامن والصالح العام. ويكمن التحدي الآن لدى أولئك الذين استمعوا إلى رسالته في ترجمة كلماته القوية إلى تغيير ذي معنى.
— طاقم وكالة أسوشيتد برس