بروكسل/برلين/روما – [التاريخ] – ظهر انقسام كبير داخل الاتحاد الأوروبي، حيث رفضت ألمانيا وإيطاليا بحزم مسعى منسقًا من قبل العديد من حلفاء الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا، لتعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. يؤكد هذا الانقسام الداخلي على الخلافات المتعمقة بين الدول الأعضاء فيما يتعلق بموقف التكتل من الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة في غزة والأزمة الإنسانية المتفاقمة.
تنبع الدعوة إلى تعليق الاتفاق، الذي يحكم التعاون التجاري والعلمي والثقافي الواسع النطاق بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، من مخاوف متزايدة بشأن حقوق الإنسان والانتهاكات المزعومة للقانون الدولي في غزة. يجادل مؤيدو التعليق بأن إسرائيل انتهكت المادة الثانية من الاتفاق، التي تنص على أن العلاقات “يجب أن تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية”. يعتقدون أن اتخاذ إجراء قوي، مثل تعليق الاتفاق، ضروري للضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية ومعالجة الوضع الإنساني الكارثي في الجيب الفلسطيني.
إلا أن برلين وروما اتخذتا موقفاً معارضاً بشدة، مؤكدتين على الأهمية القصوى للحفاظ على القنوات الدبلوماسية والحوار مع إسرائيل، بدلاً من اللجوء إلى إجراءات العزل. ألمانيا، المتجذرة بعمق في مسؤوليتها التاريخية تجاه أمن إسرائيل، دعت باستمرار إلى نهج دقيق ومتوازن. المسؤولون الألمان، بينما يعربون عن قلقهم إزاء سقوط ضحايا مدنيين والمحنة الإنسانية في غزة، أكدوا مجدداً على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بعد هجمات 7 أكتوبر الوحشية التي شنتها حماس. يجادلون بأن تعليق الاتفاق لن يكون فقط غير مجدٍ لجهود خفض التصعيد، بل يمكن أن يزعزع استقرار منطقة مضطربة بالفعل ويعيق آفاق السلام المستقبلية.
صرح دبلوماسي ألماني رفيع المستوى، متحدثاً لمراسلين شريطة عدم الكشف عن هويته، بأن “التزام ألمانيا بأمن إسرائيل غير قابل للتفاوض. بينما نشعر بقلق بالغ إزاء المعاناة في غزة، نعتقد أن الحوار والمشاركة هما المساران الوحيدان الممكنان للمضي قدماً. الإجراءات العقابية، مثل تعليق الاتفاقيات الأساسية، تخاطر بقطع الاتصال بالكامل وتجعل من الصعب التأثير على الأحداث على الأرض أو تأمين وصول المساعدات الإنسانية”. يعكس هذا الشعور “مبدأ الدولة” الألماني طويل الأمد (Staatsräson) بشأن حق إسرائيل في الوجود والدفاع عن نفسها، وهو مبدأ لا يزال يشكل سياستها الخارجية.
إيطاليا، تحت قيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، كررت موقف ألمانيا. حافظت روما على سياسة خارجية براغماتية تعطي الأولوية للاستقرار والمشاركة الدبلوماسية عبر البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. أكد المسؤولون الإيطاليون على أهمية التمييز بين إدانة إجراءات محددة وقطع إطار كامل للتعاون. يجادلون بأن اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل يعد قناة حيوية لمناقشة القضايا الحساسة، بما في ذلك حقوق الإنسان والحاجة إلى حل الدولتين، وأن تفكيكه سيزيل رافعة تأثير حاسمة. أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الإيطالية أن “إيطاليا تؤمن بقوة الدبلوماسية والمشاركة المستمرة. قطع العلاقات لن يسهل السلام؛ بل سيعقده، ويقلل من قدرتنا على الدعوة إلى حل للنزاع وتقديم المساعدة للمحتاجين.”
اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، الموقع عام 1995 والنافذ منذ عام 2000، يشكل حجر الزاوية في العلاقات السياسية والاقتصادية بين التكتل وإسرائيل. يسهل التعريفات التجارية التفضيلية، والتعاون في قطاعات مختلفة من الزراعة إلى البحث والتطوير، والحوار السياسي المنتظم. إن تعليق هذا الاتفاق سيكون له تداعيات اقتصادية كبيرة على الجانبين، لكن وزنه الرمزي في مجال الدبلوماسية الدولية سيكون أكبر، مما يشير إلى تدهور عميق في العلاقات.
يسلط النقاش الداخلي للاتحاد الأوروبي الضوء على التحديات الجيوسياسية العميقة التي تواجه القارة. أعربت إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا، إلى جانب عدة دول أخرى، عن إحباط متزايد من السلوك العسكري الإسرائيلي، لا سيما بعد النداءات المتكررة من محكمة العدل الدولية (ICJ) والأمم المتحدة لزيادة حماية المدنيين والمساعدات الإنسانية غير المعاقة. يُنظر إلى مسعاهم للتعليق على أنه محاولة لممارسة ضغط ملموس حيث يبدو أن الإدانات الدبلوماسية فشلت في تغيير استراتيجية إسرائيل.
يشير هذا الرفض من قبل اثنتين من أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي وأكثر أعضائه نفوذاً إلى أن التكتل من غير المرجح أن يتبنى موقفًا عقابيًا موحدًا ضد إسرائيل فيما يتعلق بالصراع في غزة في المستقبل القريب. بدلاً من ذلك، من المتوقع أن تظل سياسة الاتحاد الأوروبي فسيفساء معقدة من المقاربات الوطنية المختلفة، تتراوح بين الإدانة الشديدة لأعمال إسرائيل من قبل بعض الدول الأعضاء إلى الدعم الثابت لأمنها من قبل آخرين، مع الدعوة جماعياً للمساعدات الإنسانية وحل سلام طويل الأمد.
يؤكد قرار ألمانيا وإيطاليا الثبات على موقفهما على تباين جوهري في كيفية إدراك أعضاء الاتحاد الأوروبي للطريقة الأكثر فعالية لمعالجة النزاعات الدولية ودعم حقوق الإنسان، خاصة عند الموازنة بين هذه المخاوف والتحالفات الاستراتيجية والاستقرار الإقليمي. مع استمرار أزمة غزة، من المقرر أن يظل هذا الصراع الأوروبي الداخلي حول السياسة تجاه إسرائيل سمة مميزة للعلاقات الخارجية للتكتل.