عاجل / BREAKINGأمة الإيقاع: رقصات سياسي «ترند» تبشر بعهد جديد من التفاؤل في المجركير ستارمر يرفض الاستقالة: مقامرة سياسية كبرى ترسم مستقبل حزب العمالاستقالة وزير الدفاع اللاتفي إثر تداعيات الهجمات الأوكرانية بالمسيرات على منشآت نفطيةأوكرانيا وروسيا تتبادلان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار المدعوم أمريكياً - رويترزإجلاء طبي طارئ لمواطن فرنسي من سفينة سياحية وسط مخاوف من تفشي فيروس "هانتا" القاتل

ضباب السياسة الخارجية: تحليل لموقف ترامب المتناقض تجاه إيران

ضباب السياسة الخارجية: تحليل لموقف ترامب المتناقض تجاه إيران

في ساحة الدبلوماسية الشرق أوسطية عالية المخاطر، لم تكن الإشارات الصادرة من البيت الأبيض بشأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية واضحة بأي حال من الأحوال. ففي أعقاب سلسلة من التصعيدات التي حشرت البلدين على حافة صراع عسكري وشيك، رسمت التصريحات العامة للرئيس دونالد ترامب صورة لسياسة خارجية تتميز بتحولات سريعة وتناقضات داخلية صارخة. فمن التهديدات بـ “الإبادة” إلى العروض المفاجئة للحوار غير المشروط، تركت رسائل الإدارة الحلفاء الدوليين، والمشرعين المحليين، وحتى مستشاريه في حالة من عدم اليقين المستمر. وكما يشير عنوان صحيفة “يو إس إيه توداي” (USA Today) ببراعة، فإن الخطاب المحيط باستراتيجية الإدارة تجاه إيران قد أصبح بمثابة عقدة غوردية من التوجيهات المتضاربة التي تتحدى المنطق الدبلوماسي التقليدي.

بندول بلاغي: من النار والغضب إلى الدعوات المفتوحة

يكمن جوهر الارتباك في السرعة الفائقة لتحولات نبرة الرئيس؛ ففي فترات مختلفة، بدت الإدارة وكأنها تستعد لمواجهة عسكرية شاملة، لتعود وتتراجع إلى موقف الدبلوماسية الصبورة بعد ساعات فقط. وقد خلق هذا التذبذب فراغاً دبلوماسياً حيث لا يستطيع “الصقور” في واشنطن ولا القيادة في طهران تقييم هدف الرئيس النهائي بدقة.

التهديد بـ “الدمار الشامل”

في أحد جانبي العملة الخطابية، استخدم الرئيس لغة هجومية توحي بسياسة تغيير النظام أو الإخضاع العسكري الكامل. ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإيجازات الصحفية، حذر ترامب من أن أي هجوم إيراني على “أي شيء أمريكي” سيقابل بـ “قوة كبيرة وساحقة”، مشيراً إلى أنه في بعض المناطق، فإن “كلمة ساحقة ستعني الإبادة”. ويتم تعزيز هذا الموقف المتشدد من خلال حملة “الضغوط القصوى” – وهي سلسلة من العقوبات الاقتصادية المشلة المصممة لتركيع الاقتصاد الإيراني وإجبار القيادة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط الولايات المتحدة.

العرض المستمر بـ “صفقة أفضل”

ومن المفارقات، وغالباً في نفس الأسبوع الذي يطلق فيه تهديداته الأكثر عدائية، أشار ترامب إلى رغبة عميقة في تجنب الحرب. فقد صرح مراراً وتكراراً بأنه مستعد للقاء القيادة الإيرانية “دون شروط مسبقة” لمناقشة إطار نووي جديد. وقال ترامب للصحفيين خلال قمة مجموعة السبع: “نحن لا نتطلع إلى تغيير النظام”، وهو تصريح تناقض بشكل مباشر مع المواقف الراسخة لبعض أقرب مستشاريه آنذاك، مثل جون بولتون. ويشير نهج “الباب مفتوح دائماً” هذا إلى رغبة رجل أعمال في عقد صفقة كبرى، وهو ما يتناقض بشكل حاد مع الحشود العسكرية التي شهدها الخليج العربي.

غموض استراتيجي أم عدم اتساق في السياسة؟

ينقسم محللو السياسة الخارجية حول ما إذا كان هذا الارتباك تكتيكاً متعمداً أم عرضاً لادارة متصدعة. يجادل البعض بأن الرئيس يستخدم نسخة حديثة من “نظرية الرجل المجنون”، محاولاً إبقاء الخصوم في حالة من عدم التوازن عبر الظهور بمظهر غير متوقع. وتقترح النظرية أنه من خلال التأرجح بين العدوان والمصالحة، يجبر ترامب إيران على ممارسة الحذر، لعدم معرفتهم أي نسخة من القوة الأمريكية سيواجهونها.

ومع ذلك، يرى النقاد أن هذا الافتقار إلى رسالة موحدة ومتماسكة يقوض مصداقية الولايات المتحدة. فعندما تناقض تغريدات الرئيس الإيجازات الرسمية لوزارة الخارجية، فإن ذلك يخلق “ضجيجاً دبلوماسياً” يجعل من الصعب على حلفاء مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا تنسيق الجهود المشتركة. وكان هذا الاحتكاك الداخلي أكثر وضوحاً خلال تداعيات إسقاط الطائرة بدون طيار عام 2019، حيث ورد أن الرئيس ألغى ضربة انتقامية في اللحظة الأخيرة، متذرعاً بمخاوف بشأن الضحايا المدنيين – وهي خطوة أذهلت قيادته العسكرية.

السياق والخلفية: الطريق نحو الضغوط القصوى

لفهم حالة الارتباك الحالية، لا بد من النظر في التحولات الأساسية في العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ عام 2017. كان المحفز الرئيسي للتوتر الحالي هو انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في عام 2018. حيث جادلت إدارة ترامب بأن الاتفاق النووي لعام 2015 كان معيباً بشكل أساسي، لأنه لم يعالج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو أنشطتها الإقليمية بالوكالة.

انسحاب عام 2018 والحرب الاقتصادية

عند الخروج من الاتفاق، أعادت الولايات المتحدة فرض سلسلة من العقوبات الثانوية التي أدت فعلياً إلى إغلاق النظام المالي العالمي أمام إيران. كانت هذه الخطوة تهدف إلى تجفيف منابع تمويل الحرس الثوري الإيراني. وبينما نجحت العقوبات في التسبب بكساد هائل في إيران، إلا أنها لم تؤدِ على الفور إلى “الصفقة الأفضل” المنشودة، بل أدت بدلاً من ذلك إلى سلسلة من الحوادث البحرية في مضيق هرمز وزيادة تخصيب اليورانيوم من قبل طهران.

ضربة سليماني وتداعياتها

وصل التناقض في السياسة إلى ذروته في يناير 2020 مع اغتيال الجنرال قاسم سليماني. وبينما كان العمل هو التحرك العسكري الأكثر عدوانية ضد إيران منذ عقود، فقد تبعه تهدئة حيث أشار الرئيس إلى أنه لن يرد على الضربات الصاروخية الإيرانية اللاحقة على القواعد الأمريكية في العراق. لخص هذا التسلسل عقيدة ترامب: الاستعداد لاستخدام القوة القصوى تتبعه رغبة فورية في فك الارتباط وتجنب “الحروب الأبدية”.

الخاتمة والتوقعات المستقبلية

إن الإرث الدائم لهذه التصريحات المتناقضة هو مشهد من عدم الاستقرار الإقليمي العميق. ومع مضي الولايات المتحدة قدماً، يظل التحدي الرئيسي هو الافتقار إلى نقطة نهاية واضحة. هل الهدف هو معاهدة جديدة، أم انهيار الاقتصاد الإيراني، أم انسحاب كامل من التشابكات الشرق أوسطية؟ من خلال الحفاظ على سياسة تتسم بالتشدد والانعزالية في آن واحد، ضمنت الإدارة بقاء عدم اليقين هو الثابت الوحيد.

وبالنظر إلى المستقبل، يواصل المجتمع الدولي ترقب إشارة حاسمة. فإذا كان الهدف هو تحقيق اختراق دبلوماسي، فإن خطاب “الإبادة” قد يمثل عقبة كبيرة يصعب على المسؤولين الإيرانيين تجاوزها دون فقدان ماء الوجه محلياً. وعلى العكس من ذلك، إذا كان الهدف هو الردع، فقد يُنظر إلى العروض المتكررة للمحادثات على أنها ضعف في العزيمة. وإلى أن تتمكن الإدارة من التوفيق بين هذين النمطين المتباينين من العمل، فمن المرجح أن تظل العلاقة بين واشنطن وطهران سلسلة من الحسابات الخاطئة المربكة، والتي قد تكون خطيرة.

أضف تعليق