عاجل / BREAKINGأمة الإيقاع: رقصات سياسي «ترند» تبشر بعهد جديد من التفاؤل في المجركير ستارمر يرفض الاستقالة: مقامرة سياسية كبرى ترسم مستقبل حزب العمالاستقالة وزير الدفاع اللاتفي إثر تداعيات الهجمات الأوكرانية بالمسيرات على منشآت نفطيةأوكرانيا وروسيا تتبادلان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار المدعوم أمريكياً - رويترزإجلاء طبي طارئ لمواطن فرنسي من سفينة سياحية وسط مخاوف من تفشي فيروس "هانتا" القاتل

مصادر: «غياب الاستراتيجية» وراء قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من ألمانيا

مصادر: «غياب الاستراتيجية» وراء قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من ألمانيا

برلين/واشنطن – شهدت الأسس الجيوسياسية لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) هزّة كبرى هذا الأسبوع، مع ظهور تقارير مفصلة تكشف عن غياب عميق لاستراتيجية داخلية واضحة فيما يخص قرار إدارة ترامب سحب نحو 12 ألف جندي أمريكي من ألمانيا. وبينما وصف البيت الأبيض الخطوة بأنها «إعادة تموضع» ضرورية للأصول العسكرية، تشير مصادر رفيعة المستوى وتقارير من وكالات متعددة إلى أن العملية اتسمت بالاندفاع السياسي و«دبلوماسية الصفقات» أكثر من كونها نتاجاً لتخطيط عسكري تقليدي.

وأثار الإعلان، الذي يتضمن إعادة نشر ما يقرب من ثلث الأفراد الأمريكيين البالغ عددهم 36 ألفاً والمتمركزين في ألمانيا، موجة عارمة من الانتقادات. وبحسب تقارير صادرة عن «يورونيوز» و«رويترز»، فإن القرار باغت كلاً من البنتاغون والقيادة العليا لحلف الناتو. ووصفت مصادر مطلعة على المداولات الداخلية عملية التنفيذ بأنها كانت «فوضوية»، مشيرة إلى أن الخطوة جاءت بإملاء من السلطة التنفيذية دون الخضوع لعملية التدقيق الصارمة المشتركة بين الوكالات التي تسبق عادةً أي تغييرات كبرى في تموضع القوات العالمية.

عملية «فوضوية» واحتكاكات داخلية

يكمن جوهر الجدل في الغياب المزعوم لهدف عسكري متماسك. ورغم تكليف وزارة الدفاع (البنتاغون) بتنفيذ الانسحاب، أشارت مصادر داخل المجتمع الدفاعي إلى أن الخطة وُضعت تحت الضغط وبأدنى حد من التشاور. وصرح أحد المسؤولين لرويترز قائلاً: «لم تكن هناك استراتيجية وراء هذا القرار»، وهو ما يعزز الشعور بأن الخطوة كانت تفويضاً فوقياً وليست استجابة لتهديدات متغيرة في المسرح الأوروبي.

ويرى نقاد أن غياب التنسيق المسبق مع برلين قد أضر بالثقة بين الولايات المتحدة وأبرز حلفائها الأوروبيين. ويؤثر الانسحاب على منشآت حيوية، بما في ذلك مقرات القيادة الأمريكية في أوروبا والقيادة الأمريكية في أفريقيا بمدينة شتوتغارت. ولعقود من الزمن، مثلت ألمانيا العمود الفقري اللوجستي للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ لذا يحذر محللون من أن سحب هذه الأصول يهدد بإضعاف الجاهزية العملياتية للولايات المتحدة تحت غطاء المناورات السياسية.

العقاب «النفعي» لبرلين

وإلى جانب الاحتكاك الإداري الداخلي، برزت رواية ثانية تركز على الطابع «العقابي» للانسحاب. وكما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، يبدو أن القرار نتيجة مباشرة لإحباط الرئيس ترامب طويل الأمد من الإنفاق الدفاعي لألمانيا؛ حيث انتقدت الإدارة برلين لسنوات لفشلها في الوصول إلى عتبة الـ 2% من الناتج المحلي الإجمالي المخصصة للدفاع وفقاً لمتطلبات الناتو.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى سحب القوات كعقوبة نفعية مرتبطة بـ «الصفقات»؛ إذ وصف الرئيس ترامب ألمانيا مراراً بأنها «مقصرة»، ملمحاً إلى أن الولايات المتحدة لا ينبغي لها توفير الأمن لدولة يرى أنها لا تساهم بشكل كافٍ في الصندوق الجماعي. ويمثل هذا النهج خروجاً جذرياً عن توافق الآراء الذي ساد ما بعد الحرب الباردة، والذي كان يرى الوجود الأمريكي في ألمانيا ليس كخدمة تجارية بمقابل مادي، بل كاستثمار استراتيجي في الاستقرار العالمي وكحائط صد ضد التوسع الروسي المحتمل.

الرواية المقابلة: الانتقال إلى خطوط المواجهة

رغم اتهامات الفوضى والطابع العقابي، حاول البنتاغون وقادة في شرق أوروبا صياغة القرار من منظور التحديث والردع الاستراتيجي. وجادل وزير الدفاع مارك إسبر والقيادة البولندية بأن تقليص القوات في ألمانيا هو جزء من جهد أوسع لنقل الأصول إلى مسافة أقرب من «الخطوط الأمامية» شرقاً.

وتزعم الإدارة أنها من خلال نقل نحو 5600 من القوات المنسحبة إلى دول أخرى في الناتو، بما في ذلك إيطاليا وبلجيكا، واحتمالية تدوير آلاف آخرين في بولندا، فإنها تخلق قوة أكثر مرونة واستجابة. وقد رحب الرئيس البولندي أندريه دودا باحتمال زيادة الوجود الأمريكي، معتبراً أن نقل القوات بالقرب من «فجوة سوفالكي» — وهي شريط استراتيجي من الأرض على طول الحدود البولندية الليتوانية — يردع العدوان الروسي بشكل أكثر فعالية من إبقائها في غرب ألمانيا.

التداعيات على حلف الناتو

تركت الروايات المتضاربة المحيطة بالانسحاب الحلفاء في حالة من عدم اليقين؛ فإذا كانت الخطوة تمثل إعادة تموضع استراتيجي، فإن غياب الشفافية في تنفيذها قد قوض رسالة الردع المنشودة. أما إذا كانت إجراءً عقابياً نابعاً من إحباط سياسي، فهي تشير إلى تصدع محتمل في الالتزام بالمادة الخامسة — المبدأ القائل بأن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع.

وجاء رد الفعل في الكونغرس الأمريكي مشككاً من كلا الحزبين؛ حيث أعرب مشرعون عن قلقهم من أن الانسحاب يصب في مصلحة الكرملين، الذي يسعى منذ فترة طويلة لتقليص النفوذ الأمريكي في أوروبا. وقد أشار أعضاء في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بالفعل إلى نيتهم استخدام «قانون تفويض الدفاع الوطني» للحد من تمويل هذا الانسحاب، مما قد يؤدي إلى تجميد الخطة لأجل غير مسمى.

وبينما تستعد الولايات المتحدة لانتخابات قد تسفر عن تغيير في القيادة أو استمرار للسياسات الحالية، يظل الـ 12 ألف جندي في قلب هذا الجدل في حالة من الترقب المهني. وبالنسبة لألمانيا، تعد هذه الخطوة تذكيراً صارخاً بتقلبات الدبلوماسية الحديثة، أما بالنسبة لبقية حلف الناتو، فهي دعوة عاجلة لإعادة تقييم استقرار الروابط عبر الأطلسي في عصر غالباً ما تتصادم فيه المنطق الاستراتيجي مع المصالح السياسية العابرة.

أضف تعليق