بريطانيا وفرنسا تبرمان اتفاقاً تاريخياً مدته ثلاث سنوات للحد من عبور القوارب الصغيرة
باريس — في مظهر بارز لتجديد التعاون عبر القناة، أبرمت الحكومتان البريطانية والفرنسية رسمياً اتفاقية شاملة مدتها ثلاث سنوات تهدف إلى خفض أعداد المهاجرين الذين يحاولون القيام برحلات محفوفة بالمخاطر عبر القناة الإنجليزية (بحر المانش) في قوارب صغيرة بشكل كبير. ويمثل الاتفاق، الذي أُعلن عنه في أعقاب قمة رفيعة المستوى بين رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تحولاً تكتيكياً في كيفية إدارة البلدين لأحد أبرز نقاط التوتر المتعلقة بالهجرة في أوروبا.
وتلتزم المملكة المتحدة بموجب الاتفاق بحزمة تمويل متعددة السنوات يبلغ مجموعها حوالي 478 مليون جنيه إسترليني (541 مليون يورو) حتى عام 2026. ويمثل هذا الالتزام المالي تصعيداً كبيراً مقارنة بالترتيبات السنوية السابقة، مما يعكس استراتيجية طويلة الأمد لتفكيك نماذج أعمال عصابات تهريب البشر وتعزيز التحصينات على الساحل الشمالي لفرنسا. وبالنسبة للحكومة البريطانية، يعد هذا الاتفاق حجر الزاوية في سياسة رئيس الوزراء سوناك الرامية إلى “إيقاف القوارب”، وهي ركيزة أساسية في أجندته التشريعية المحلية.
التزام مالي وتكتيكي استراتيجي
يكشف التوزيع المالي للاتفاق عن استراتيجية استثمارية متدرجة؛ حيث ستساهم المملكة المتحدة بنحو 120 مليون جنيه إسترليني في الفترة 2023-2024، تليها 160 مليون جنيه إسترليني في 2024-2025، و198 مليون جنيه إسترليني في 2025-2026. وقد خُصصت هذه الأموال تحديداً لنشر الأفراد، وشراء تقنيات مراقبة متطورة، وتطوير البنية التحتية الإدارية على الأراضي الفرنسية.
وفي قلب الخطة العملياتية، سيتم نشر 500 ضابط فرنسي إضافي للدوريات على شواطئ شمال فرنسا، مدعومين بوحدة شرطة فرنسية دائمة جديدة مخصصة حصرياً لمعالجة معابر القوارب الصغيرة. ولتعزيز كفاءة هذه الدوريات، يتضمن الاتفاق تمويلاً لمركز احتجاز جديد في فرنسا، مصمم للتحفظ على المهاجرين الذين تعترضهم السلطات وتسهيل معالجة طلباتهم أو إعادتهم، ليكون بذلك بمثابة رادع لمن يفكرون في العبور.
كما يلعب التقدم التكنولوجي دوراً محورياً في الميثاق الجديد؛ حيث اتفق البلدان على الاستثمار في تكنولوجيا الطائرات المسيرة (الدرونز) المعززة، وكاميرات التصوير الحراري، ومعدات الرؤية الليلية. وتهدف هذه الأدوات إلى توفير مراقبة على مدار الساعة لمساحات شاسعة من الساحل التي يستخدمها المهربون لإطلاق القوارب المطاطية. علاوة على ذلك، سيتم تعزيز مركز قيادة مشترك بين المملكة المتحدة وفرنسا لتسهيل تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، مما يسمح بتدخلات استباقية قبل وصول القوارب إلى المياه.
الرهانات السياسية وتعهد “إيقاف القوارب”
بالنسبة لرئيس الوزراء ريشي سوناك، يرتبط نجاح هذا الاتفاق مباشرة بمسيرة بقائه السياسي. فمنذ توليه منصبه، واجه سوناك ضغوطاً شديدة من الناخبين وحزبه على حد سواء لمعالجة الأعداد القياسية للوافدين، حيث عبر أكثر من 45 ألف شخص القناة في عام 2022 وحده. وقد جعلت وضوح هذه التدفقات من القضية محوراً للخطاب السياسي البريطاني، وغالباً ما طغت على إنجازات سياسية أخرى.
وفي حديثه خلال القمة في باريس، أكد سوناك أن الاتفاق يهدف إلى “كسر دائرة” الهجرة غير الشرعية. وقال للصحفيين: “لا نحتاج إلى إدارة هذه المشكلة، بل نحتاج إلى كسرها”. وجادل بأن الطبيعة متعددة السنوات للتمويل تمنح السلطات الفرنسية اليقين اللازم للقيام باستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية الأمنية، وهو ما كان مستحيلاً في ظل نماذج التمويل الشهرية أو السنوية السابقة.
من جانبه، ورغم تأكيده على الضرورة الإنسانية لمنع الوفيات في عرض البحر، استغل الرئيس ماكرون القمة لتأطير الاتفاق كجزء من “انفراجة” أوسع في العلاقات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فبعد سنوات من الاحتكاك الدبلوماسي في ظل الإدارات البريطانية السابقة، يبدو أن شراكة سوناك وماكرون مبنية على أساس أكثر براغماتية وتقنية. وأشار ماكرون إلى أنه رغم أن المملكة المتحدة لم تعد عضواً في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تظل شريكاً أوروبياً حيوياً في مجالي الأمن والدفاع.
مخاوف إنسانية وانتقادات مؤسسية
رغم النبرة المتفائلة للمسؤولين الحكوميين، قوبل الاتفاق بانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية الدولية. ويرى النقاد أن التركيز على الحلول الأمنية والإنفاذ يتجاهل الأسباب الكامنة وراء مخاطرة الأفراد بحياتهم في أكثر ممرات الشحن ازدحاماً في العالم. وحذرت مجموعات مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة “Care4Calais” من أن زيادة العمليات الشرطية ستدفع المهاجرين على الأرجح لسلوك طرق أكثر خطورة أو الاعتماد على شبكات تهريب أكثر تعقيداً وعنفاً.
وقال متحدث باسم إحدى الجمعيات الخيرية الرائدة في مجال اللاجئين: “لقد جُربت استراتيجية الردع لعقود، وفشلت باستمرار. كل ما يفعله هذا الاتفاق هو صب المزيد من الأموال في جهاز مراقبة دون توفير أي مسارات آمنة وقانونية لطالبي اللجوء. وحتى تتوفر آلية تتيح للناس طلب اللجوء دون عبور القناة، ستستمر القوارب في القدوم”.
علاوة على ذلك، شكك بعض الخبراء القانونيين في جدوى مركز الاحتجاز المقترح في فرنسا، مشيرين إلى صراعات محتملة مع قوانين حقوق الإنسان الأوروبية المتعلقة بالاحتجاز التعسفي لطالبي اللجوء. وهناك أيضاً مخاوف من أن التركيز على الإعادة والاحتجاز قد ينتهك روح اتفاقية اللاجئين لعام 1951، التي تحمي حقوق الأفراد في طلب اللجوء بغض النظر عن طريقة وصولهم.
فصل جديد في العلاقات الفرنسية البريطانية
بعيداً عن اللوجستيات الفورية لضبط الحدود، يُنظر إلى الاتفاق الممتد لثلاث سنوات كعملية “إعادة ضبط” رمزية لـ “الاتفاق الودي” (Entente Cordiale). فالبروتوكول يغطي ما هو أكثر من مجرد الهجرة؛ إذ يمس أمن الطاقة، والتعاون الدفاعي، والمبادرات البحثية المشتركة. ومن خلال الالتزام بخطة مالية مدتها ثلاث سنوات، ترسل لندن إشارة بأنها ترى باريس شريكاً موثوقاً على المدى الطويل، وهو شعور كان غائباً في كثير من الأحيان خلال المفاوضات المثيرة للجدل التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ومع بدء السنة الأولى من الاتفاق، ستتجه كل الأنظار نحو أرقام العبور اليومية التي تنشرها وزارة الداخلية البريطانية. وفي حين تأمل الحكومة البريطانية في رؤية انخفاض كبير في أعداد الوافدين بحلول الانتخابات العامة المقبلة، فإن تعقيد أنماط الهجرة العالمية يعني أن نجاح هذا الاستثمار البالغ 478 مليون جنيه إسترليني لا يزال بعيداً عن الضمان. وفي الوقت الحالي، تظل شواطئ نورماندي ومنحدرات دوفر الخطوط الأمامية لمقامرة بملايين الجنيهات لتأمين حدود بريطانيا ما بعد البريكست.